يا عزيزي كلنا ديمقراطيون

تامر وجيه

«ليس من رأى كمن سمع!».. تلح علي هذه الحكمة مؤخراً.

فلقد قرأت كثيراً عن زيف ما يُسمى بـ«الديمقراطية البرجوازية»، ذلك النموذج من الديمقراطية، الذي يسود بلاد الغرب المتقدم، ويعتمد على صندوق الانتخابات كأساس لتداول السلطة. لكني لم أرَ بنفسي كيف تُصنع هذه الديمقراطية وتُصاغ، بحيث تخدم مصالح «السادة»، وفي الوقت ذاته، تمنع «العبيد» من إثارة القلق وتجاوز الحدود.

الآن أسعدني زماني بأن أعيش تجربة تصنيع ديمقراطية على المقاس – أعني مقاس الملّاك والحكام وذوي المقامات الرفيعة.

ولمن لا يفهم مغزى ما أقول، أطرح الأسئلة التالية فقط لفتح الشهية: «لماذا بعد أن أصبح الصندوق شفافاً ونزيهاً، انتخب الناس من لا يلبون مطامحهم في العدل والحرية.. لماذا انتخبوا حفنة من أصحاب الأيادي المرتعشة والمعادين للمساواة بين البشر.. لماذا بعد أن تعددت الفضائيات والجرائد حتى أصبحت أكثر من الهم على القلب كثُر الكذب والتلفيق والتضليل.. لماذا بعد تدشين ديمقراطية برجوازية في بلادنا لا زال هيكل الدولة كما هو بلا أي تعديل.. لماذا لا يزال القتلة والسفاحون واللصوص والفاسدون في مواقعهم؟!». حقا إن للديمقراطية إياها طرقها الخاصة في العمل!

تغيير «على وساخة»

لفك هذا اللغز أذكركم بشعار طريف جادت به قريحة الثوريين من الشباب أصحاب الموهبة العبقرية، الذين يصيغون أصعب الحقائق في كلمات قليلة ذات مغزى عميق. الشعار يقول «التغيير على وساخة بيجيب تسلخات!».

هذه بالضبط هي الحقيقة.. فكما أن «التغيير على وساخة بيجيب تسلخات»، فإن نزاهة صندوق الانتخابات على أساس مجتمع قائم على الاستغلال والتراتب الطبقي لا تأتي إلا بالعفن.

آفة الديمقراطية البرجوازية أنها تفترض إمكانية تحقيق المساواة السياسية الأصيلة في ظل مجتمع «غير متساوٍ» في بنيانه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. لكن الحقيقة أن حرية الصوت الانتخابي دون تحرر من الاستعباد الطبقي وهم كبير.

وحتى لا نذهب بعيداً، دعونا نلقي نظرة على مجتمعنا بعد ثورة «25 يناير». فلقد حطمت الثورة ديكتاتورية «مبارك» وكنستها إلى غير رجعة، لكنها لم تمس البنى العميقة للدولة أو هيكل النظام الاقتصادي القائم على احتكار الأقلية للثروة والقرار الاقتصادي.

فلا أحد ينتخب قادة الجيش أو المخابرات أو الشرطة أو التليفزيون الحكومي.. لا أحد ينتخب أصحاب الشركات والمصانع والمؤسسات المتحكمة في أرزاق عشرات الملايين من البشر. فهؤلاء ينتخبون أنفسهم ويزكون بعضهم البعض. ومن ثم لا حق لنا، نحن الشعب الكادح، في مراقبتهم أو إقصائهم عن مناصبهم، إلا بأكثر المعاني شكلية وهامشية.

وهكذا، فإن المواطن، الذي يذهب إلى صندوق الانتخابات بإرادة حرة يواجه ماكينة ضخمة لا سلطة أو سيطرة له عليها، هذه الماكينة هي في الحقيقة «الطرف الثالث»، الذي يتحدث عنه الجميع ولا أحد يعرف كنهه أو طبيعته.

«من يصنع وعي هذا المواطن الذاهب إلى الانتخابات.. أليست وسائل الإعلام، التي تتوزع ملكيتها بين جهاز الدولة العميق، الذي لا ينتخبه أو يراقبه أحد ورجال الأعمال الموسرين أصحاب المشاريع السياسية المساندة لسلطة المال والتراكم؟».. «ومن في مقدوره تمويل الحملات الانتخابية، خاصة الكبرى منها.. أليسوا هم رجال الأعمال القادرين على اقتطاع حصة من أرباحهم لشراء الأصوات والمقاعد؟

إن عدم التساوي في مصادر القوة لا يمكنه أن ينتج مساواة سياسية. من هنا فأنا أحياناً ابتسم حينما يتحدث البعض عن النزاهة التامة للانتخابات، أي انتخابات!

إن كنتم تريدون نزاهة تامة، فلابد أولاً أن تضمنوا مساواة في الموارد والإمكانيات لكل المتسابقين، وهذا يتضمن تجريد الرأسمالي من قوته المالية ورجل الدولة من شبكة علاقاته، التي تسهل له التأثير في القرار الانتخابي. بتعبير آخر: «إن كنتم تريدون نزاهة تامة، فلتقلبوا المجتمع الرأسمالي التراتبي رأساً على عقب».

اغتراب «ديمقراطي»

ثم إن آلية الانتخابات على الطريقة البرجوازية التقليدية هي «آلية اغتراب بامتياز». فالثورات يصنعها الجزء الأكثر تقدماً من الشعب المتمركز غالباً في المدن. لكن الانتخابات، بقدرة قادر، تمكن الاحتياطي الهائل للرجعية المتمركز في الأرياف والنجوع من قلب الأوضاع وكبح الثورة. والسبب ببساطة أنه «في قانون الثورة (القطاع المتقدم في المجتمع يقود الأكثر تأخراً) في عملية هدفها قلب الأوضاع السائدة وكسر التراتبية القائمة». أما «في قانون الانتخابات، (فالقطاع المتأخر يتساوى مع القطاع المتقدم) من حيث أن لكل (مواطن) صوتاً واحداً!». وهكذا تغرق الثورة في بحر من «المواطنين» الأكثر تأخراً!

الانتخابات على الطريقة التقليدية كذلك تصوغ علاقة سلبية بين «المواطن» وعملية التغيير. فعلى عكس الثورة، المواطن هنا مطلوب منه إعطاء صوته، مرة واحدة كل بضع سنين، لأشخاص آخرين، مكلفون بأن يحكموه من خلال نفس الوسائط والمؤسسات الاغترابية، التي تضعه في موقع العاجز المستبعد من مواقع القرار.

ميزة الثورة أنها «أكمل نموذج للفعل المباشر للجماهير». فالثورة تجعل من الطبقات الكادحة فاعلاً، بعد أن ظلت لعقود طوال «مفعولاً به» لا حول له ولا طول. وبهذا المعنى، فالثورة أداة تمكين للمقهورين، الذين يصطفون في أشكال وتنظيمات تكشف الطابع الطبقي الأصيل للصراع الدائر في المجتمع.

أما الانتخابات فهي، في معظم الأحيان، «مهرجان» لاستعراض عضلات القوى النافذة في المجتمع، ينتهي بأن يدلي «المواطن المغترب» بصوته لهذا الحزب أو ذاك من أحزاب الرأسمالية الكبيرة والمتوسطة.

الديمقراطية «من أسفل»

أرجو ألا يُفهم من كلامي هذا أني وصلت إلى درجة من العمى تمنعني من إدراك الفارق الكبير بين الديكتاتورية والديمقراطية البرجوازية. أعلم أن أسوأ ديمقراطية برجوازية أفضل من أي ديكتاتورية. لكني أعلم كذلك أن هناك ديمقراطية أكثر أصالة وعمقاً من أفضل ديمقراطية برجوازية – أنا هنا أقصد «الديمقراطية من أسفل»، التي برزت أفضل نماذجها من خلال الإبداع الجماهيري في الثورات الكبرى في التاريخ.

فالثورة المصرية، رغم  كل مآزقها ومشاكلها، فتحت الباب لاستعادة التاريخ المجيد للديمقراطية من أسفل. فعلى ضفاف النيل تتصارع ديمقراطيتان، إحداهما «من أعلى»، يمولها ويدعمها السادة القدامى والجدد، بهدف احتواء الثورة وتصفيتها عبر ألاعيب الصناديق الانتخابية، والأخرى «من أسفل»، يصنعها الكادحون بدمائهم وكفاحهم في سلسلة معارك لا تنتهي لإعادة تأسيس المجتمع من أسفل لأعلى.

أنا أظن أن جوهر النضال الجاري في مصر الآن هو الديمقراطية بأوسع معانيها. فعندما يضرب عمال الشركات والمصانع والموانئ، في السياق العام للثورة، هم يطرحون، دون وعي كامل من جانبهم، السؤال حول من صاحب الأحقية في تقرير مصير البشر في هذا المجتمع، «فهل هي حفنة من السادة أم جمهرة الكادحين؟»، وعندما يظهر في كل مؤسسة ومكان من يقول «من أين لك هذا» و«ما هو حقك في أن تفرض إرادتك وحدك»، فهذا طرح عملي لإشكالية السلطة والقوة في مجتمعنا.

لكن ربما تكون نقطة الخلاف الوحيدة بيني وبين الكثيرين ممن يتبنون منظور أن الديمقراطية والتغيير من أسفل هما أني أعتقد أن الطريق إلى تمتين الديمقراطية من أسفل لا يمكن أن يأتي من خلال إهمال ألاعيب السياسة البرجوازية من أعلى. فمن يظن أن الديمقراطية من أسفل يمكنها أن تتجاهل تأثير القوة الطاغية للإصلاحيين والوسطيين والانتهازيين على وعي الجماهير، ومن يظن أنها بقادرة على أن تنجو بنفسها دون استخدام تكتيكات معقدة قد تتضمن استخدام مؤسسات العدو كأدوات في المعركة، فإنه في رأيي واهم.

وفي الخاتمة أقول: «علينا أن نحلم بعالم جديد قد تحطمت فيه كل أدوات القهر والتسلط.. علينا أن نتجرأ على النظام القديم ونؤمن بأن الديمقراطية من أسفل هي الوسيلة والغاية.. لكن حتى تكون يوتوبيتنا جادة علينا أن ندعمها بقراءة باردة لموازين القوى وقواعد الصراع.. فمع الاشتراكي الإيطالي أنطونيو جرامشي ينبغي أن ننقش على رايتنا شعار «علينا أن نتحلى بتشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة».

منشور في صحيفة المصري اليوم 4 أبريل 2012

 

Advertisements

الوسوم:

التصنيفات : غير مصنف

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: