البحث عن رئيس لمصر!

تامر وجيه

مصر مقبلة على انتخاب رئيس للجمهورية. والحوار يدور بكثافة في أوساط قوى الثورة بوجه عام، وقوى اليسار بوجه خاص، حول المسألة: هل نقاطع أم نشارك؟ وإن شاركنا، فمن نؤيده؟ أبو الفتوح؟ صباحي؟ خالد علي؟ أم أبو العز الحريري؟

 واحدة من مشاكل النقاش الدائر هي طبيعته. فقديما قالوا إن الصياغة الصحيحة للسؤال تمثل نصف الطريق للوصول إلى الحقيقة.

 لذلك فأنا أدعو المنخرطين في الحوار الساحن الدائر إلى مراجعة المنهج الذي يتناولون به المسألة، وهو منهج يميل، في اعتقادي، إلى الشخصنة، بمعنى التركيز على المواصفات الشخصية لهذا المرشح أو ذاك، باعتبار أن هذه النقطة مفصلية في التفضيل والقرار. فهذا شاب، وذاك عامل، وهذا تاريخه كذا.. وهلم جرا.

 أنا طبعا لا أنفي أهمية هذا البعد الشخصي. لكني أعتقد إنه ثانوي إن قورن بأبعاد أخرى لابد أن تحظى باهتمامنا ونحن نطرح مسألة انتخابات الرئاسة والمرشح الأفضل.

 اللحظة الراهنة

المنهج الأصح لتناول مسألة انتخابات الرئاسة يبدأ من تحليل طبيعة اللحظة السياسية-الطبقية الراهنة والدور الذي يمكن أن تلعبه معركة انتخابات الرئاسة في تغيير التوازن الجاري لمصلحة قوى الثورة وضد قوى النظام القديم.

 من هذا المنطلق، سأبدأ طرحي بمناقشة السياق الذي تدور فيه الانتخابات وعلاقتها بالعملية الثورية الجارية أمام أعيننا.

 أعتقد أن علينا أن ندرك أن قوى الثورة في لحظة ضعف نسبي على أكثر من مستوى. المستوى الأول والأكثر مركزية هو انفصال الطليعة الثورية عن قواعدها الجماهيرية في أوساط الطبقات الكادحة.

 تحدثت عن هذه النقطة كثيرا. ولن أمل من تكرارها.

 فالواضح أن سياسات المجلس العسكري والقوى المضادة للثورة، وعيوب الحركة الثورية، قد أديا إلى تزايد التفاف قطاع واسع من الجماهير الكادحة، وهم يمثلون القاعدة الاجتماعية للثورة، حول التيارات والأحزاب الإصلاحية والمحافظة والرجعية، وحول المؤسسات البرجوازية التقليدية كمجلس الشعب.

 في الوقت نفسه، تسود حالة من الاغتراب، تصل أحيانا إلى العداء، بين الجماهير العريضة والقوى التي توصف بشباب الثورة أو ثوار التحرير.

 باختصار، نجح أعداء الثورة ومنافقوها في تحميل القوى الراديكالية ذنب عدم تحقيقها، أي الثورة، لأي مكاسب على مدى الشهور الماضية. الجماهير اليوم تلوم “الثوار” على سوء الحال والمآل بدلا من أن تلوم المذنب الحقيقي وهو القوى المضادة للثورة.

 المستوى الثاني، المتصل عضويا بالأول، هو تزايد ثقة قوى الثورة المضادة في نفسها بشكل واضح، إلى حد قيامها مؤخرا بالهجوم بدلا من تلقي الضربات وامتصاصها كما كان الحال في الشهور التالية على سقوط مبارك. وقد تجلى ذلك بالطبع في الهجوم الضاري على التنظيمات والحركات الثورية وعلى الرموز الديمقراطية الراديكالية من علاء الأسواني، إلى محمد البرادعي، إلى زياد العليمي.

 وعلى أساس من هذين المستويين، وكلاهما يعني تراجع (في ظني مؤقت) للحركة الثورية، لم تنجح الحركة التي تصاعدت في الأسابيع الأخيرة، والتي مثل إضراب 11 فبراير ذروتها، في تحقيق هدفها المتمثل في إجبار المجلس العسكري على التنازل، ولو جزئيا، عن خريطة طريقه لتسليم السلطة، سواء بالتعجيل بانتخاب الرئيس، أو بتسليم السلطة لمجلس الشعب.

 سياق المعركة

وهكذا، فنحن ندخل انتخابات الرئاسة في ظل لحظة غير مؤاتية في الصراع السياسي والطبقي. لحظة لم ينجح الثوريون فيها أن يفرضوا شروطا جديدة لانتخابات الرئاسة، أو (وكان ذلك هو الأفضل في رأيي) أن يجبروا المجلس على إسقاط انتخابات الرئاسة كلية لصالح مسار تسليم السلطة للمجلس النيابي المنتخب.

 فماذا يعني هذا بالنسبة لانتخابات الرئاسة؟

 يعني أن هذه الانتخابات ستكون ساحة جديدة، في لحظة أسوأ، لخوض المعركة ضد المجلس العسكري ومنافقيه.

 مضمون معركة انتخابات الرئاسة الأساسي في رأيي هو خوض صراع، على المستوى الانتخابي، مع المجلس العسكري حول درجة هيمنته. فتماما كما مثل إضراب 11 فبراير وما قبله من تحركات هادفة إلى تسليم السلطة جولة من الصراع مع الديكتاتورية العسكرية القائمة، فإن انتخابات الرئاسة ستكون هي الأخرى ساحة من ساحات الصراع مع المجلس العسكري.

 المشكلة كما قلت إن هذه الساحة الجديدة تأتي في ظروف أصعب. فبالرغم من وجود تناقضات وصراعات مكتومة بين الإخوان المسلمين والجيش، فإن الإخوان، بالذات في ضوء تراجع الضغط الجماهيري من أسفل، وكقوة إصلاحية نموذجية، قرروا عقد صفقة مع المجلس تتضمن التوافق على مرشح رئاسي يطمئن الإمبريالية العالمية (الولايات المتحدة) والرجعية الإقليمية (السعودية) ورأس المال المحلي على مصالحهم في ضوء الرعاية الثنائية من العسكر والإخوان.

 مرشح الثورة

إذن فمضمون معركة انتخابات الرئاسة، لمن يستطيع أن يرى الواقع بشكل شمولي ودقيق، ينبغي أن يكون إضعاف أو إسقاط المرشح التوافقي للعسكر والإخوان.

 هذا سياق يختلف تماما عن حالات أخرى في بلدان أخرى. ففي بلدان أخرى لا تمر بصراع عنيف حول استمرارية الثورة الديمقراطية وتعميقها يكون الصراع ذو طبيعة مختلفة. فمعظم معارك الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة مثلا تدور في جوهرها حول الصراع بين ممثلين مختلفين لمصالح نفس الطبقة الرأسمالية المستقرة. هنا لا يوجد صراع جماهيري بين معسكر لاستمرار الثورة ومعسكر لوأدها، وإنما صراع بين جناحين من الاحتكارات والكارتلات على خلفية مزاج جماهيري ما.

 في هذا النموذج يكون السياق هو استقرار نسبي للرأسمالية وللشكل البرجوازي الديمقراطي لنظامها السياسي. ولذا، فإن مرشحي الرئاسة الكبار يكونون جزءا من التيار الأساسي mainstream بلا أي تباين حقيقي في المضمون الطبقي.

 هذا بالضبط ما يدعو اليسار الراديكالي في تلك الحالات للسعي، إذا توفرت ظروف مناسبة، إلى الدفع بمرشح على الهامش يمثل جنين بديل للمرشحين الرئيسيين المتماثلين. فبالرغم من أن مرشح كهذا لن يكون لديه أي فرصة حتى في المنافسة مع المرشحين الكبار، إلا أن تحقيقه لنسبة هامشية، لكن ذات شأن، من الأصوات ربما يفتح آفاقا أكبر وأبعد للحركة الراديكالية ولمشاعر الغضب المتنامية ضد النظام السائد.

 الوضع في مصر الآن جد مختلف، على الأقل من ثلاث نواحي.

 الناحية الأولى، وهي الأكثر جوهرية، هي أن هناك كما قلنا معركة جوهرية دائرة حول استمرار الثورة أو كسرها، وأن تجسيد هذه المعركة هو النضال ضد سلطة المجلس العسكري وإضعافها أو إسقاطها. من هنا فإن السؤال الجوهري هو: كيف نواصل المعركة ضد العسكر من خلال الانتخابات الرئاسية؟

 الناحية الثانية، وقد أشرنا إليها من قبل، هي أننا نمر بمرحلة تراجع نسبي لقوى الثورة وسيادة نسبية لقوى الإصلاح والمحافظة الخانعة تجاه العسكر. وهكذا فإن معركة “مرشح الهامش” ستكشف ضعف قوى الثورة أكثر وأكثر وربما تؤدي إلى انهيار معنوياتها بشكل دراماتيكي. فمن كانوا منذ أشهر قادرين على تنظيم مليونيات رغما عن أنف الإخوان، ومن كانوا قادرين على الحصول مليون صوت في انتخابات برلمانية صعبة، سيكتشفون تراجع قوتهم وتآكل شعبيتهم، وربما يخسرون أي فرصة لتوحيد قواهم أو لكسب أنصار جدد.

 أما الناحية الثالثة، فهي أن قرار اليسار الراديكالي بخوض معركة تخصه يعني في وجهه الآخر قرار بعدم خوض المعركة الديمقراطية الأساسية الدائرة في المجتمع. المعركة الديمقراطية الأساسية في المجتمع عنوانها إضعاف العسكر، إشعارهم بالهزيمة، أو جعل تحقيقهم لمكاسب يأتي بشق الأنفس. هذا هو الأمر المفصلي الذي لو تحقق ستزيد ثقة الحركة الجماهيرية بنفسها، وستتمكن الطبقات الكادحة من ثم أن تصعد حركتها، وهو ما سيسمح لليسار بالتقاط أنفاسه وبرد الهجوم الحالي على قوى الثورة، بما يعني أن بيئة النضال من أجل المطالب الاجتماعية وتجذير الثورة ستكون أفضل بما لا يقاس.

 هنا يخطئ من يظن أننا بتركنا للمعركة الأساسية وانفضاضنا عنها سنتمكن من خوض أي معركة أخرى بكفاءة. يخطئ من يظن أن عدم السعي لتوحيد الصف في معركة إسقاط العسكر يمكن أن يمر بسهولة. فلو لم تقم معركة كبرى ضد العسكر في انتخابات الرئاسة، لخسر الكل وعلى رأسهم من يقولون نحن نريد أن نخوض معركة “على برنامجنا” ذو السقف الأعلى!

 صحيح أن اليسار حجمه اليوم أصغر من أن يكون كافيا لإحداث تغيير نوعي في توازنات المعركة الرئاسية، لكن الحقيقة كذلك أن تجربة انتخابات مجلس الشعب أثبتت أن موقفا صحيحا تأخذه قوى رئيسية لليسار في معركة ما قادر على أن يجر قوى أخرى ويحقق أثرا لا ينكر. والحقيقة كذلك، وهذا هو الأنكى، أن قرار اليسار بخوض معركة أخرى غير معركة إضعاف العسكر من خلال انتخابات الرئاسة، سيعطي رسالة عصبوية إلى الشارع بنشطائه وجماهيره: رسالة مضمونها أن اليسار غير معني إلا بمرشحه هو وشؤونه هو!

 ليس صحيحا هنا ما يقال من أن اليسار يمكنه خوض معركته الخاصة في الدورة الأولى من الانتخابات، ثم بعد ذلك يصوت لمرشح كبير معادي للعسكر في الإعادة. هذا تفكير كارثي، أولا لأن الرسالة السياسية الخطأ ستكون قد وصلت في المرحلة الأولى، وثانيا لأن قرار اليسار هذا يمكن أن يؤدي إلى الإعادة بين مرشحين كلاها ينتمي إلى القوى المعادية للثورة.

 أما رأى البعض أن مرشح القوى المضادة للثورة سيفوز لا محالة، وأن معركة الرئاسة محسومة مسبقا، فهو قول خاطئ وانهزامي. أنا لا أعلم ماذا يمكن أن يحدث في المرحلة الثورية الراهنة من مفاجآت. وزملائي كذلك لا يعلمون. ثم أن فرض انتصار صعب على مرشح العسكر يعد مكسبا سيعيننا في المراحل اللاحقة للثورة.

 تأييد نقدي

بسبب كل هذا، فإن موقفي هو الالتفاف حول أفضل مرشح ممكن وواقعي لقوى الثورة الديمقراطية بالمعنى العريض للكلمة، مع نبذ سياسة التحلق الضيق حول مرشح يساري. وفي هذا السياق، فإن المهمة شديدة الصعوبة الملقاة على عاتق اليسار هي كيف يخوض المعركة تأييدا لهذا المرشح دون الذوبان في حملته ودون ترويج لأي أوهام حول تبنيه لمشروع اليسار الأكثر راديكالية وثورية على المستويين السياسي والاجتماعي.

 السياسة التي اقترحها إذن هي: التأييد الممزوج بالنقد والضغط لمرشح استمرار الثورة الديمقراطية، حتى لو وصل الأمر لأن نتبع السياسة التي اتبعها اليسار الثوري في حالات مشابهة كثيرة، وهي السياسة التي ترفع شعار “انتخبوا فلان ثم تقيأوا”، أي انتخبوا هذا المرشح الذي لا يمثل مشروعنا، وانتقدوه واضغطوا عليه، ولا تروجوا الأوهام حوله، لكن اعلنوا للناس أنكم تؤيدوه لأنه يقف موضوعيا في مواجهة العدو الأكبر والأخطر الآن.

 وفي السياق المصري، ففي الأغلب أن المرشح الذي سيلعب، موضوعيا، دور المنافس الحقيقي لمرشح العسكر والإخوان لن يعجبنا كثيرا وسنرى فيه عيوبا كبيرة. لكن هذا ليس السؤال، وإلا رجعنا للمنهج البائس الذي يعطي الأولوية لشخص المرشح على حساب وضعه الموضوعي في الصراع الدائر. السؤال هو من سينافس مرشح الأعداء؟ من سيمثل فوزه أو تحقيقه لنتيجة كبيرة هزيمة للقوى المضادة للثورة؟

 الإجابة عندي هي أن هذا الشخص، حتى تاريخه، هو عبد المنعم أبو الفتوح.

Advertisements

الوسوم:

التصنيفات : رأي, سياسة

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

5 تعليقات في “البحث عن رئيس لمصر!”

  1. 28/02/2012 في 4:42 م #

    كلام جميل وكلام معقول ما أقدرش أقول حاجه عنه …. لكن أنا شخصياً أرفض توجيهى لأى مرشح من المرشحين لأنى والحمد لله باعرف أفكر ولو أخطأت فأكون مضطراًً لتحمل نتيجة خطأى وأشكركم على هذة المقاله المفيدة جداً ما عدا آخر سطر فيها .

  2. 29/02/2012 في 4:51 م #

    Reblogged this on يوميات ثائر من الأرياف.

  3. 29/02/2012 في 4:52 م #

    بها مكنونات الجواهر

  4. المنسي
    08/03/2012 في 11:58 ص #

    لا توجد مواصفات للرئيس الجديد الا في صقر قريش الاخير باااااااااااااااااااااااااي للحلقة القادمة
    كيف يظهره الله

  5. Maha
    19/05/2012 في 1:16 ص #

    الحقيقة أنا في أكثر من نقطة محتاجين لتوضيح أولهم وأهمهم هي فكرة أن اليسارغير قادر علي دعم مرشح يمثل المشروع الثوري بالكامل لإنعزال اليسار عن الشارع ومع ذلك فاليسار سيكون قادر علي الضغط علي المرشح الغير ثوري بالكامل…ما هي أليات الضغظ في إطار الإنعزال عن الشارع؟ تصبح الأمور أكثر تعقيدا في إطار أن صلة اليسار بالشارع لا يمكن أن توصل إلا عن طريق مشروع يعبر عن الشارع وليس عن طريق مشروع إصلاحي وإن كان هذا المشروع المهيمن لأن إنعزال اليسار مرتبط كما ذكرت أنت في المقالة بهيمنة هذا المشروع الإصلاحي ذاته علي الجماهير. من هنا يتضح هشاشة فكرة العزوف عن دعم مرشح ثوري بالكامل خوفا من انكشاف ضعف اليسار “وانهيار معنوياته” لأن كشف الضعف ليس كشفا بما أننا نعترف به كما فعلت أنت في المقال. يصبح السؤال هل المهم سمعة اليسار ومعنوياته أم حل أزمة اليسار والتي لن تحل سوي عن طريق مواجهة الضعف وليس ستره. لست متيقنة من قضية معنويات الجماهير التي ستنهار في إطار أن جزء رئيسي من أزمة اليسار كما طرحت أنت هي أزمة الإنعزال عن الجماهير. ويبقي السؤال حول جدوي مقارنة الإنتخابات المصرية بالإنتخابات الأمريكية…ربما سيكون من الأجدي أن نقارن بدولة أخري أٌقامت انتخابات في أثناء ثورة خاصة وأنك وإن كنت أشرت إلي التوازنات الطبقية في أمريكا لم تذكرها في مصر البته. إظهار التوازنات الطبقية وليس فقط السياسية للثورة المصرية كان سيكون رئيسيا في اختيار المرشح السياسي الذي قد ينتمي أيضا لطبقة النظام القديم ولكن من جناح اخر وفي غياب قدرتنا علي الضغط يصبح ما اقترحته انت للهروب من شبح العزلة يمثل خطر استسلام كامل لها

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: