النخبة والجيش

عاطف شحات 

هذه السطور البسيطة بها اجتهاد متواضع عن كيف رأى قطاع كبير من النخبة الجيش المصري منذ الثورة، وأزعم أن آراء النخبة بقصورها وعجزها عن فهم الأبعاد  الطبقية والإمبريالية للجيش المصري كان  لها أثر سلبي كبير على خلق حالة نفاق وخوف وفزع من المواجهة مع الجيش. بالطبع تعامل المجلس العسكري بابتزاز (بالإضافة إلى أسلحته الأخرى القمعية  وآلات القتل والكذب التي وجهها  للثورة والثوار..الخ). ولا أنكر أن قطاعات من النخبة صدمت بعدما رأت جرائم  الجيش الفظيعة، وأن بعض النخبة بدأ في الحديث بالنقد المتحفظ للجيش. بالطبع النخبة ضيقة الأفق  كان  في ذهنها أيضاً السيناريوهات الليبية  والسورية. وكانت النخبة مثلاً مرعوبة ولم تتعامل باحترام وفهم (ولا أقل حتى دعم) للضباط الشرفاء الذين أعلنوا تمردهم عن الجيش بسبب إصرار المجلس العسكري على قتل المصريين. لم تكلف هذه القطاعات من النخبة أنفسها أي جهد ليعرفوا أن المجلس العسكري طوال الوقت هو الذي كان يدفع البلاد دفعاً لحرب أهلية. وأزعم أن الوحيد الذي كان أكثر حصافة في فهمه للجيش كان هو القطاع الأكبر من شباب الثوار، وأيضاً ظهر ذلك في بعض كتابات اليسار الثوري.

أحد الملامح الرئيسية لقصور فهم النخبة للجيش باعتباره جزءً من الدولة هي أن كثيرين من نخبتنا فهموا المؤسسة العسكرية في سياق عاملين أو محددين اثنين، أولهما ما يمكن تسميته بالمحدد الثقافي التاريخي للجيش، والثاني هو المحدد الديموغرافي الاجتماعي. وتجاهل الجميع محددات ثلاثة أساسية هامة أخرى سوف أناقشها باختصار بعد قليل. وأقصد بالمحدد الثقافي التاريخي، أولاً النظر للجيش باعتباره مؤسسة وطنية خاضت الكثير من الحروب دفاعاً عن الحدود أو القضايا القومية. وقالت النخبة إن العلاقة بين الشعب والجيش هي دائماً قائمة على الاحترام والثقة. وبالطبع تجاهل البعض أن هذا المحدد نفسه ليس أحادي البعد. فالجيش الذي جاء منه ناصر وتخلص من الاستعمار هو ذات الجيش الذي انهزم في النكسة، وهو ذاته الذي انتصر في أكتوبر، وهو ذاته الذي جاء بمبارك. والرؤية الأدق لهذا المحدد أعتقد أنها علاقة احترام مفترض، بها بعض التشكك.  أما المقصود بالمحدد الديموغرافي الاجتماعي فهو حقيقة أن الجيش المصري يقوم على نظام التجنيد الاجباري، وبالتالي فهو يعتبر ممثلاً اجتماعياً لكافة أطياف الشعب المصري. ويصعب تمييز الجيش بصفة عامة عن الشعب المصري. وبالطبع هذه الحقيقة لا تتناقض مع وجود بعد طبقي في الجيش، كما سأوضح ذلك في ما يسمي بالبعد أو المحدد الاقتصادي لفهم الجيش. وأقصد بالمحدد الاقتصادي حقيقة أن المؤسسة العسكرية في مصر أصبحت تتحكم فيما تترواح نسبته -ولا توجد أية إحصاءات دقيقة لذلك- بين 25 و40 % من الاقتصاد المصري، معظمها يتحكم فيها جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التي يديرها لواءات الجيش ويعمل بها جنوده، وتجني هذه المشروعات أرباحاً ضخمة، ما يجعل الكثير من الجنرالات مستفيدين استفادة مباشرة  منها. وبالطبع كان هناك تنافس تاريخي بين الجيش والرأسماليين المصريين في المشاركة في النشاط الاقتصادي. تميز الجيش في أوقات مثل الستينيات، وتميز فيها أو اشترك الاثنان في التحكم في الاقتصاد في وقت آخر مثل السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات ومروراً بوقت رجال أعمال لجنة السياسات وأصدقاء جمال مبارك. أما المحدد الرابع فيرتبط بالعلاقات الدولية أو ما يمكن تسميته بالعامل الإمبريالي. وأقصد هنا اعتماد الجيش المصري على المساعدات العسكرية الأمريكية التي تصل إلى 1.3 بليون دولار سنوياً. وهذا الاعتماد مرتبط باستمرار اتفاقية السلام مع اسرائيل، منذ توقيعها في عام 1979. ونتيجة هذا العامل فهناك علاقة اعتمادية كبيرة بين الجيش المصري والولايات المتحدة، وخاصة ما يعرف بالمجمع الصناعي العسكري ( Military Industrial (Complex في الولايات المتحدة، من حيث الأسلحة وقطع الغيار ونمط التدريب..الخ . كما يرتبط كثير من الجنرالات بنظرائهم في البنتاجون بالولايات المتحدة. والنموذج الأمريكي حاضر بقوة حتى في فكرة الاستعانة باللواءات السابقين، هؤلاء الأكثر ولاءً  للطبقة الحاكمة، في مناصب بعد تقاعدهم من الجيش. ويذكر أنه بعد الثورة الإسلامية في إيران عاقبت الولايات المتحدة جيش إيران ـ الذي كانت علاقته بها في أيام الشاه شبيهة بحالة مصر الآن ـ بمقاطعته وحرمانه من كل هذه الأسلحة وقطع الغيار، مما تسبب عملياً في تدهور حالة الجيش الإيراني لوقت طويل. يدرك كثيرون أثر هذه العلاقة على الجيش المصري. ويتعفف الكثيرون من النخبة عن الحديث عنها. وبالطبع لا يمكن أن نفترض أن هذه العلاقة في مصلحة الجيش المصري ومصر. والقاصي والداني يعرف أن الولايات المتحدة حريصة على وجود تفوق عسكري إسرائيلي على مصر. ويذكر أنه في فبراير 2011 تحدث بعض الخبراء الأمريكيين وقالوا: إن قيادات الجيش المصري يجب أن يردوا جميل الولايات المتحدة التي تقوم بالاستثمار في جيش مصر منذ أكثر من 30 عاماً. أما المحدد الأخير فهو محدد إقليمي (وأيضاً له أبعاد نفسية واستراتيجية)، وهو المرتبط باتفاقية كامب ديفيد. والنتيجة الأساسية لكامب ديفيد هي وجود معضلة نفسية لدى كثيرين في الجيش المصري. فبينما يتمسك الجيش المصري باعتبار اسرائيل عدو استراتيجي له ولمصر، يعرف كثيرون من الضباط والجنود أن قادتهم يتمسكون باختيار استراتيجي هو استمرار السلام مع اسرائيل. هذه المسألة تثير معضلة لا يمكن استيعابها لدى قطاع كبير من الجنود والضباط. وبالطبع كل هذه المحددات مرتبطة ولا تناقض بعضها البعض.

وفي اعتقادي أن هناك افتراضات ثلاثة رئيسية خاطئة قامت عليها رؤية القطاع الأكبر من النخبة في فهم الجيش. الأول هو أن المؤسسة العسكرية هي كتلة اجتماعية وسياسية واحدة. وهذا أمر غير موجود  في الواقع، فهناك الجنرالات الذين  يتحكمون وربما يحصلون على  الملايين وهناك الجنود وصغار الضباط الذين لا يستفيدون تقريباً من الأوضاع  الاقتصادية للجيش. والافتراض الثاني هو أن الجيش هو المؤسسة الوطنية  الوحيدة التي لم يمسسها الفساد. لكن  الجيش هو جزء من مصر بكل ما فيها،  وافتراض أنها كانت طاهرة طوال الوقت  هو افتراض غير واقعي. أما الافتراض الثالث فهو أن الجيش مؤسسة ليست منحازة بين الأطراف السياسية والاجتماعية  المختلفة في مصر. والحادث أن الجنرالات  يريدون استمرار تدفق المعونات العسكرية والمالية الخارجية والمشروعات الاقتصادية التي يتحكمون فيها بأي ثمن. كما  يبدو أن معظمهم لديه أفكار أبوية  بالية، وتعاملهم مع نساء الثوار، وتعاطفهم مع المحافظين والمتشديين دينياً هو أمر أقل ما يوصف به أنه مزعج. ولذلك  فهم منحازون بالضرورة لمصلحتهم، وأثبت  الواقع أنهم اقتربوا من بعض الفصائل  لتقسيم القوى الثورية، على عكس  ما يقولونه ليلاً ونهاراً بإنهم  على مسافة واحدة من الجميع. وهناك  تفسيرات كثيرة لصمت كثير من النخبة مثل الرضوخ للضغوط وخاصة من قبل هؤلاء  الذين اعتادوا الجمع بين النفاق والمكاسب في عصر مبارك، أو هول الصدمة من فظاعة الجرائم التي ارتكبت، أو ربما لخوفهم من انقسام الجيش وخوفهم من مصائر مثل سوريا وليبيا (والحق  أن المجلس العسكري هو الذي يقود البلاد لهذا الطريق بمطالبته المستمرة لمن  أسماهم بالمواطنين الشرفاء بالقبض بل والتعامل مع شباب الثورة)، أو أن النخبة لا زالت أسيرة أفكار قومية رومانسية منذ الستينات، ويكابرون ولا يريدون أن يصدقوا أن جيش ناصر وحرب أكتوبر ليس  هو جيش مبارك وكامب ديفيد.

وبالإضافة إلى غلبة الفهم القاصر، كانت هناك اجتهادات بسيطة، على سبيل المثال انتشار فكرة استراتيجيات الفصل بين الدور السياسي للمجلس والدور العسكري له ثم الفصل بين المجلس والجيش. وكل هذه الاستراتجيات كانت وجيهة، لكنها حمالة أوجه. وقع كثيرون من الحصيفين في هذا الفخ ولم يقوموا بعمل نقد طبقي عميق للجيش بوصفه مؤسسة من مؤسسات الدولة تقوم على إداراتها الطبقة الحاكمة. وما البرجوازية العسكرية سوى جزء من القلب الصلب لمؤسسة النهب والتبعية للإمبريالية التي مثلتها دولة مبارك. المجلس بالطبع اختصر الجيش والدولة في المجلس نفسه. والاستثناءات المحدودة للكتابات الأكثر عمقاً كانت بعض كتابات اليسار الثوري التي قالت بوضوح منذ بداية الثورة إن المجلس هو رأس الثورة المضادة وإن جنود الجيش هم ضحايا الاستبداد والسخرة. ومن الاستراتيجيات الأخرى التي قام بها بعض الكتاب هي المقارنة بين ضباط 1952 وجنرالات 2011. واتفق الجميع على وجود فارق كبير بين الضباط الذين تحركوا بدون أن يكون لديهم شيئاً ليخسروه، والجنرالات الذين هم جزء من منظومة دولة الفساد والاستبداد. وقال هؤلاء إن وضع جنرالات اليوم لا يختلف كثيراً عن جنرالات القصر قبيل عام 1952 من حيث أنهم جزء من حاشية الملك والنخبة الإقطاعية الحاكمة آنذاك مثلهم مثل جنرالات مبارك وأغلبهم مليونيرات تشابكوا تشابكاً معقداً مع منظومة نهب وفساد مبارك. بالطبع كان ضباط 1952 ضباط من الطبقة الوسطى المغامرين وانتهوا بعمل نسخة اشتراكية مشوهة قائمة على الديكتاتورية والفساد والتي فُرضت من أعلى بدون أن يكون للجماهير والعمال صوت حقيقي فيها. وجزم هؤلاء الكتاب بأن مواقف جنرالات عام 2011 وجنرالات القصر تتشابه في عدم ممانعتهم لحرق البلاد للحفاظ على مصالحهم كما حدث في حريق يناير 1952.

باختصار يمكننا أن نقول إن قصور فهم النخبة وعجزها عن الفهم السليم للجيش، كان يقابله الجهل الممزوج بالغطرسة والعداء الشديد للثورة الموجود لدى جنرالات مبارك. فشباب الثورة يمثلون النقيض التام لكل ما يمثله الجنرالات: الاستعداد للموت من أجل الحرية، بينما الجنرالات لا يمانعون في قتل الشعب في سبيل الحفاظ على ملياراتهم. بالطبع يعجز الجنرالات وأصدقاؤهم في الداخل والخارج عن فهم هذه الروح الاستبسالية، وهذا سبب المعركة النفسية لكسر إرادة الثوار. لكن لحسن الحظ أن كل تحليلات وخطط قمع الثورة، بل وأزعم أن معظم النظريات البرجوازية لفهم الثورات السياسية والاجتماعية، تقوم على افتراض أساسي هو التقليل من أهمية دور الجماهير وتضحياتها في المعارك الثورية. جنرالات مبارك وأصدقاؤهم في الداخل والخارج لا يستطيعون التعامل مع من يصرون على الاستشهاد لاستكمال طريق الثورة. كما أن ظروف كثيرة موضوعية لا زالت تفرض على الناس التمرد والثورة، أقلها معركة الكرامة وتدمير جهاز القمع، وأهمها معركة العدالة الاجتماعية الغائبة. فلا يمكن أبداً لدولة أن تقام وتستمر بناء على القتل والكذب. المجد للشهداء ولثورة مصر.

أنصح  بقراءة هذه السطور مع المقالتين الآتيتين:

  • الجيش والاقتصاد في بر مصر: فتش عن المكرونة. بقلم محمد الخلصان في الرابط المرافق

      http://www.jadaliyya.com/pages/index/3693

  • المجلس العسكري يقود الثورة  المضادة بقلم ابراهيم الصحاري  على موقع مركز الدراسات الاشتراكية  في الرابط المرافق:

      http://www.e-socialists.net/node/6587

Advertisements

الوسوم:

التصنيفات : مصر, رأي, سياسة

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

6 تعليقات في “النخبة والجيش”

  1. alhusseiny
    30/01/2012 في 3:07 م #

    الله عليك

  2. 30/01/2012 في 4:27 م #

    تحليل جيد يؤكد ان اليسار على مختلف تنوعاته هم شباب مصر الواع المستنير القادر على تشخيص الداء..القادر على اكتشاف اسباب الداء ..القادر على اجراء الجراحة اللازمة لاستئصاله بنجاح …وأسفى انه دائما فى الصفوف الخلفية ولا يمسك بزمام المبادرة .

  3. أحمد رأفت حلمى
    05/02/2012 في 2:55 ص #

    بداية موفقة لدراسة حتمية عن ماوصل إليه حال القوات المسلحة فى العصر المباركى الفاسد يجب الخروج منها بتوصيات محددة لطريق الوصول إلى القوات المسلحة التى يجب أن تكون ، قوية ، حديثة ، متعلمة ومدربة ، متخصصة ومحترفة تعتمد على الكفاءة البحتة فى اختيار القادة وتولى وظائف القيادة ، متابعة للشأن السياسى ولها الحق فى الانتخاب دون الحق فى الانخراط فى العمل السياسى ، تتمتع بقدر مناسب من الاكتفاء الذاتى خاصة فى المأكل والملبس ومايمكن من التسليح ، لها الاستقلالية فى اختيار مصادر التسليح الخارجية ، يتمتع ضباطها وجنودها بالرعاية الصحية والاجتماعية الكاملة بدون تمييز ، تتقاضى المرتبات والامتيازات المناسبة لطبيعة العمل والمهمة الملقاة على عاتقها ، تشارك فى البحث العلمى ، خاصة فيما ينعكس على قدرات التسليح والتطور التكنولوجى وتعويض الممنوع من نظم التسليح .
    بإيجاز يجب أن تعود القوات المسلحة لماكانت عليه يوم 6 أكتوبر 1973 مع تعويض فوارق الزمن ، واستدعاء الدروس المستفادة من تلك الحرب ، وبصفة خاصة تدخل القيادة السياسية فى التخطيط والتطبيق العسكرى فى الميدان.

  4. هاني
    04/04/2012 في 9:07 م #

    موضوع هام جدا وله أهمية كبيرة جدا في فهم طبيعة وتركيب الجيش المصري الذي له دور كبير في الحياة السياسية والاقتصادية في مصر. عظيم جدا يا دكتور

Trackbacks/Pingbacks

  1. النخبة والجيش (مقال لـ عاطف شحات، على مدونة “ثورة دايمة”) « اكتب كي لا تكون وحيدا - 30/01/2012

    […] عن مدونة “ثورة دايمة” […]

  2. النخبة والجيش « اكتب كي لا تكون وحيدا - 30/01/2012

    […] عن مدونة “ثورة دايمة” […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: