درس رومانيا لمصر: عزلة الثوريين بداية الهزيمة

غادة طنطاوي

نسمع اليوم الكثير من التعليقات التي تقارن بين الثورتين الرومانية والمصرية. وفي حقيقة الأمر، فإن أوجه الشبه كثيرة. فكما هو الحال مع ثورة 25 يناير، كان الطلاب شرارة البدء في الثورة الرومانية، واستطاع الثوار هزيمة قوات الأمن، وأعلنت قيادات الجيش انحيازها للثورة، بل خطت خطوة إضافية حين حاكمت تشاوشيسكو وزوجته وأعدمتهما، وركبت النخبة القديمة موجة الثورة، وفي غضون أشهر قليلة وجهت سهامها إلى الثوار.

تعرض السطور التالية لأحداث الثورة الرومانية، في محاولة للوقوف على الدروس التي قد تكون مفيدة بالنسبة إلى الثورة المصرية.

أزمة رأسمالية الدولة

مع حلول نهاية عقد الثمانينيات، كان الاتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا المسماة خطأ بالدول الاشتراكية تعاني من أزمة اقتصادية واجتماعية كبرى. وحيث إن مساحة هذا المقال لا تسمح بالتعرض لهذه الأزمة على نحو عميق، فإنه يمكن بنوع من التبسيط المخل القول بإن نمط التنمية الذي ساد في العالم ـ بما فيه دول الغرب ـ بدرجات مختلفة في أعقاب الحرب العالمية الثانية وحتى بداية السبعينيات، والذي تضمن دورًا مركزيًا للدولة في الاقتصاد واعتمادًا أساسيًا من جانب الدولة على سوقها الداخلي، واجه أزمة مع ارتفاع أسعار البترول في 1973-1974، ثم 1980-1982. ودفعت تلك الأزمة الدول إلى التحول نحو رأسمالية الشركات متعددة الجنسيات، ومحورها السوق الخارجي، مما أدى إلى نمو هائل في حجم التجارة الخارجية للدول، تزامن معه التوجه نحو تدويل عمليات الإنتاج من أجل الاستفادة من رخص العمالة في الدول الفقيرة. لكن الكتلة الشرقية، بسبب تأخرها النسبي مقارنة بالغرب، ومن ثم محدودية قدرتها على المنافسة، عجزت عن مجاراة هذه التحولات. ومن ثم، وجدت نفسها في بداية الثمانينيات عاجزة عن زيادة الصادرات، ومضطرة للاستدانة ـ مع ارتفاع الفائدة تزايد عبء الدين ـ وعاجزة عن تحقيق التراكم. إضافة إلى ذلك، أصبح عبء مجاراة الغرب في التسلح، خاصة بالنسبة للاتحاد السوفيتي، ضخمًا للغاية. وكانت النتيجة أزمة اقتصادية اجتماعية كبيرة، اختلفت في مظاهرها من بلد لآخر، لكنها أدت في نهاية المطاف إلى سقوط هذه النظم الواحد تلو الآخر في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات.

خصوصية نظام تشاوشيسكو

من بين دول شرق أوروبا، كانت رومانيا هي الوحيدة التي اتخذت ثورتها طابعًا دمويًا. ذلك أنه في دول مثل بولندا وألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا والمجر اتخذ التحول فيها شكلاً أو آخر من أشكال انقلاب القصر، حيث أطاح جناح من النظام بالحرس القديم وأنجز التحول. ولاشك أن الحركة الجماهيرية في تلك الدول قدمت الدعم لهذا التحول، لكن التغيير في أساسه حدث من أعلى.

غير أن هذا السيناريو كان من الصعب تكراره في رومانيا، في ظل التمركز الشديد للسلطة والطبيعة القمعية الاستثنائية لنظام تشاوشيسكو. وكان تشاوشيسكو قد تولى الحكم عام 1965، واتخذ منذ السنوات الأولى لحكمه نهجًا مستقلاً سياسيًا وعسكريًا عن الاتحاد السوفيتي ـ حيث انتقد الغزو السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا عام 1968ـ وتبنى نهجًا أقرب إلى طقوس عبادة الفرد على غرار نظامي كيم إيل سونج في كوريا الشمالية وماوتسي تونج في الصين. وعشية الإطاحة بالنظام، كانت السلطة تتركز بالأساس في يد تشاوشيسكو ـ البالغ من العمر 71 عامًا آنذاك ـ وزوجته إلينا التي كان قد قام بتصعيدها لتصبح عضوًا في اللجنة السياسية التنفيذية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الروماني، أعلى سلطة في البلاد. وإلى جانب الزوجين تشاوشيسكو، كانت اللجنة السياسية التنفيذية تضم ستة أعضاء، تم اختيارهم بعناية شديدة. وفي نهاية حكم تشاوشيسكو ترددت أنباء عن نيته توريث نجله. وكان الحزب الشيوعي مؤسسة ضخمة تضم 3.7 مليون شخص، وهو ما كان يعادل ربع البالغين وثلث القوى العاملة. ولا يعني ذلك أنه لم يكن هناك استياء داخل الطبقة الحاكمة من سياسات تشاوشيسكو واستئثاره بالحكم وقراراته المجنونة. بل كانت تظهر أحيانًا أصوات معارضة يتم إقصاؤها على الفور كما حدث مع إليسكو الذي تولى الحكم بعد الثورة. كما كان هناك استياء بين كبار رجال القوات المسلحة من النفوذ القوى لقوات الأمن التابعة لتشاوشيسكو. لكن بدا أن أحدًا لا يستطيع المخاطرة بمحاولة إحداث انقلاب قصر على غرار دول شرق أوروبا الأخرى.

وفي ظل توتر علاقات تشاوشيسكو بالاتحاد السوفييتي، حظي الرجل بترحيب من الغرب، وكانت رومانيا من أوائل دول شرق أوروبا التي تنضم إلى صندوق النقد الدولي. واستطاعت خلال السبعينيات الحصول على قروض ضخمة من الصندوق، بلغت في نهاية ذلك العقد نحو 11 مليار دولار. وفي بداية عقد الثمانينيات، بعدما أصبحت خدمة هذا الدين عبئًا كبيرًا على مالية الدولة، قرر سداد ديون رومانيا بالكامل. ونظم استفتاء على إجراء تعديل دستوري يمنع رومانيا من تلقي قروض من الخارج في المستقبل. وبناء على هذا القرار، جرى توجيه معظم الإنتاج الصناعي والزراعي للبلاد من أجل سداد الدين، وتم وقف الاستيراد بصورة شبه كاملة، باستثناء استيراد السلع الفاخرة لتشاوشيسكو والزمرة المحيطة به (بلغت ثروة تشاوشيسكو الشخصية في بنوك سويسرا وقت قيام الثورة ثمانية مليارات دولار).

وكانت نتيجة هذه الإجراءات كارثية على الأغلبية الساحقة من الشعب، حيث تم تعميم نظام الحصص من السلع الغذائية في جميع أنحاء البلاد باستثناء العاصمة، وجرى تقليص هذه الحصص على نحو مستمر ـ على سبيل المثال، كان مخصصًا للفرد عشية حدوث الثورة كيلو واحد من الدقيق وكيلو سكر شهريًا ـ وتراجع استهلاك الطاقة بصورة مروعة، حيث توقف نظام التدفئة المركزية، مما جعل درجة حرارة المنازل في الشتاء لا تزيد عن عشر درجات مئوية، فيما كانت درجة الحرارة في المصانع نحو خمس درجات، وأصبح الماء الساخن لا يصل إلى المنازل سوى ساعات قليلة في الأسبوع. وفي عام 1985، كان استهلاك الأسرة من الطاقة يساوي 20% من نظيره في 1979، بينما تراجع الإنفاق الحكومي على الإسكان والرعاية الصحية والتعليم بمقدار 37% و13% و53% في الفترة نفسها. وبالفعل، تم سداد ديون رومانيا كاملة في صيف 1989.

ولم يكن يتم إبداء أي تسامح مع من يشكك في “عصر الانتصار”. وكان جهاز الأمن التابع لتشاوشيسكو واحدًا من أكثر أجهزة الأمن توحشًا، حتى بمقاييس شرق أوروبا، وكانت نسبة الأفراد العاملين في الأمن أو المتعاونين مع الأمن مرتفعة للغاية ـ حيث ثارت شائعات في الفترة السابقة على اندلاع الثورة بأن ربع السكان متعاونون مع أجهزة الأمن. ولم يتردد تشاوشيسكو في توجيه الأوامر لقواته بإطلاق النار على إضراب العمال في 1987. إلى جانب ذلك، كانت الأقلية المجرية تتعرض لاضطهاد شديد، حيث كان النظام دائمًا يقوم بالتأليب ضدها باعتبارها مخرجًا لتفريغ الغضب الشعبي. وفي كل الأحوال، اعتمد نظام تشاوشيسكو على القمع وحده من أجل البقاء.

وفي ظل هذا الوضع، لم تكن هناك مساحة لظهور أي شكل من أشكال المعارضة المنظمة. واقتصرت المعارضة قبيل اندلاع الثورة على أشخاص معدودين في العاصمة، بينما كانت الأقاليم، خاصة في المنطقة التي تقطنها أقلية مجرية، تشهد معارضة أكثر نشاطًا .

عشرة أيام أطاحت بالديكتاتور

كان طبيعيًا أن تتأثر رومانيا بالزلزال الذي هز شرق أوروبا. وبدأت الاضطرابات في 15 ديسمبر 1989 في مدينة تيمسوارا في منطقة الأقلية المجرية، حيث قام راعي كنيسة بروتستانتي معروف بمعارضته لتشاوشيسكو بإلقاء خطبة انتقد فيها تشاوشيكو وسط حضور الآلاف. وعلى أثر ذلك توافدت قوات الأمن واشتبكت مع المشاركين واستطاعت فض التجمع. لكن الأيام التالية شهدت تظاهرات حاشدة كان للطلبة الدور القيادي فيها. وفشلت قوات الأمن في احتواء حركة الشارع بالرغم من العنف الشديد الذي مارسته والضحايا الكثيرين الذين سقطوا. وفي 19 و20 ديسمبر، قام العمال بإضرابات في المنطقة، وهدد بعضهم بتدمير المصانع إذا تعرضت لهم قوات الأمن. وتظاهر نحو 80 ألف شخصاً، واستطاعوا الاستيلاء على السلاح من قوات الأمن. وفي ظل فشل القوات في السيطرة على الموقف، تم استدعاء الجيش، لكن المجندين رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين. وفي تلك الأثناء، حاول تشاوشيسكو استرضاء الشعب بتوجيه خطاب يوم 21 ديسمبر، مذاع مباشرة من التليفزيون، أمام حشد من العمال الذين يُفترض ولاؤهم له، تعهد فيه بإجراء إصلاحات ورفع الأجور والمعاشات. لكنه بعد فترة وجيزة، تعالت هتافات الهجوم على تشاوشيسكو، مما دفعه إلى المغادرة. وعندما تم قطع الإرسال، أدرك الناس أن النظام يواجه أزمة ضخمة. وهنا امتدت شرارة الثورة إلى العاصمة بوخارست، وكان أيضًا للطلاب الدور الريادي فيها، حيث تزعموا عملية مهاجمة المنشآت الحيوية. وتواترت الأنباء حول حدوث خلافات بين تشاوشيسكو والجيش، مما دفع الناس في الشوارع للهتاف “الجيش معنا”. وطالب بعض قادة الجيش بعدم المشاركة في القمع والعودة إلى الثكنات، حيث كانوا يرون في التخلص من تشاوشيسكو وزمرته الضيقة بداية لاتساع نفوذهم وتحسن أحوالهم. وعندما قرر وزير الدفاع سحب الجيش من المعركة في 22 ديسمبر اغتالته قوات الأمن على الفور، مما أدى إلى حدوث تمرد شامل بالجيش. واندلعت الحرب الأهلية بين قوات الأمن والثوار في مختلف مناطق رومانيا. وحيث إنها كانت معركة حياة أو موت بالنسبة إلى قوات الأمن، فقد قامت بقتل الآلاف من العمال في محاولة لإخماد الثورة. وتشكلت جبهة الإنقاذ الوطني من بيروقراطيين اختلفوا مع تشاوشيسكو في الماضي وجنرالات وعدد من المثقفين وممثلي الطلبة. وحاول تشاوشيسكو وزوجته الهرب في 23 ديسمبر، لكنه تم إلقاء القبض عليهما في اليوم التالي، وحُكم عليهما بالإعدام في محاكمة لم تمتد أكثر من ساعة، وأُعدِما على الفور. وعرض التلفزيون جثتيهما في 25 ديسمبر لتنتهي المرحلة الأولى من الثورة.

وفي فبراير، شكلت جبهة الإنقاذ الوطني الحكومة المؤقتة، برئاسة أيون إليسكو، وكان قد تولى منصبًا وزاريًا واحتل عضوية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، لكنه جرى استبعاده وطرده من اللجنة بسبب ميوله الإصلاحية. وأعلنت الجبهة أن هدفها إقامة اقتصاد يرتكز على السوق الحر ونظام ديمقراطي تعددي. وكانت الخطوة الأولى التي قامت بها جبهة الإنقاذ الوطني هي توجيه أمر بتسليم جميع الأسلحة إلى الجيش، وتوعدت من يخالف ذلك الأمر بمواجهة عقاب قاس.

أزمة الثورة

بدأت الخلافات بين الثوار وبين جبهة الإنقاذ الوطني منذ الأسابيع الأولى عقب الإطاحة بتشاوشيسكو. فبعد أسبوعين من إصدار الأوامر للشعب بتسليم السلاح، منعت الحكومة مظاهرة في وسط مدينة بوخارست.

وسرعان ما تصاعد الخلاف بين الجانبين مع إدراك الثوار أن النظام لم يتغير رغم الإطاحة بتشاوشيسكو. فصحيح أنه تم السماح بتعدد الأحزاب، حيث تشكل نحو 200 حزب جديد بعد الثورة ـ تمحورت معظمها حول شخصيات، وليس برامج ـ إلا أن آلة الدولة القديمة ظلت على حالها، فاستمر كبار المسئولين في وظائفهم، واستمر ضباط قوات الأمن في مواقعهم، وتم نقل بعضهم إلى مواقع أخرى، لكن أحدًا منهم لم يواجه أي عقاب على ما ارتكبه من جرائم، واحتفظت عناصر البيروقراطية الحاكمة القديمة بمناصبها والمزايا التي تتمتع بها، وتولى الكثير من أنصار النظام القديم مناصب قيادية في جبهة الإنقاذ الوطني، ولم تتوقف أعمال القمع، واستمرت سيطرة النظام على الإعلام.

وكان طبيعيًا أن تقول القوى صاحبة المبادرة في اندلاع الثورة، والتي تتألف أساسًا من الطلاب والمثقفين، بإن الثورة قد تم اختطافها. ويقول المفكر الاشتراكي الراحل كريس هارمان إن هذه المشاعر الرافضة لخيانة الثورة وأهدافها قد تؤدي إلى طريقين مسدودين ـ طبعًا إذا فشلت هذه الطليعة الثورية في اجتذاب الجماهير إلى جانبها ـ فإما اليأس وفقدان الثقة في الجماهير والانسحاب من الحياة السياسية برمتها، أو الانخراط في أعمال بطولية للسيطرة على النظام ولكن من دون دعم جماهيري، وهو ما يؤدي إلى فشلها الأكيد.

وإلى حد كبير، كان السيناريو الثاني هو مصير القوى الثورية في رومانيا. فقد مضت الأمور في مسارين منفصلين، بل ومتعارضين. فقد تشكلت عشرات الأحزاب، وجرى الاستعداد للانتخابات البرلمانية والرئاسية التي تقرر موعدها في مايو. وبالتوازي مع ذلك، كانت القوى التي أشعلت شرارة الثورة، المتمثلة بالأساس في الطلاب إلى جانب المثقفين، رافضة للطريقة التي تم بها التحول وأدت إلى بقاء النظام القديم على حاله، ورافضة أيضًا لتولي إليسكو، أحد مساعدي تشاوشيسكو السابقين، لرئاسة الوزارة. وعارضت القوى الثورية إجراء الانتخابات. وفي أبريل، قبيل الانتخابات بأسابيع، بدأت هذه القوى اعتصامًا في ميدان الجامعة في بوخارست. وخلال فترة الاعتصام، بدأ عدد من صغار ضباط الجيش، المستائين أيضًا من استمرار سيطرة قيادات النظام القديم على مقدرات الأمور في الجيش، في التوافد على المعتصمين وإعلان تأييدهم لهم والتأكيد على أن الكثيرين من صغار الضباط في الجيش يقفون إلى جانب الثوار. وبالتوازي مع ذلك المسار، أُجريت الانتخابات وحققت جبهة الإنقاذ انتصارًا ساحقًا، حيث فازت بثلثي مقاعد مجلسي الشيوخ والنواب، فيما فاز إليسكو بمنصب الرئاسة بـ 85% من الأصوات.

وبالرغم من أن هذه الانتخابات لم تتصف بالنزاهة الكاملة، حيث ساعدت قوى النظام القديم، خاصة في الريف، في الدفع باتجاه التصويت لجبهة الإنقاذ، فيما جرى التضييق على القوى الأخرى، إلا أن نتائج الانتخابات كانت تعكس بالفعل المزاج العام للجماهير في أعقاب الثورة. فمن جهة، كان هناك ميل واضح للاستقرار وثقة في الحكام الجدد، ورغبة في تجربة الحكم الديمقراطي. ذلك أنه بعد 40 عامًا من الديكتاتورية، لم يكن من المتصور أن يقبل الناس المطالبة بتأخير إجراء الانتخابات، ومن ثم التخلي عن حقهم في التعبير عن رأيهم فيمن يحكمهم لأول مرة في حياتهم. ويُعتبر ذلك طبيعيًا للغاية. لأنه إذا كانت شعوب الدول الديمقراطية العريقة حتى يومنا هذا في مازالت تثق في الديمقراطية البرلمانية، فإنه من الطبيعي بالنسبة إلى شعبٍ عاش سنوات طويلة في ظل نظام الحزب الواحد أن يرى في هذه الديمقراطية غاية المنى لأن الممثلين الذين انتخبهم في البرلمان لابد وأن يعبروا عن مصالحه. ويحتاج الأمر أن يمر الناس باختبار بعد الآخر كي يدركوا أنه ليس بالضرورة على الإطلاق أن المنتخبين ديمقراطيًا سوف يتبنون السياسات التي تراعي مصالح الشعوب.

من ناحية أخرى، كانت قطاعات واسعة من الشعب ترى في إليسكو ممثلاً للثورة. وكان ما عزز من هذا الاعتقاد القرار الذي اتخذه فور تشكيل الحكومة في فبراير بإعادة الأرض التي انتزعها تشاوشيسكو من الفلاحين ـ لدمجها في مزارع جماعية ـ مما أكسبه تأييد الريف. لذلك كان طبيعيًا أن يحقق إليسكو وجبهة الإنقاذ التي يترأسها انتصارًا كبيرًا في الانتخابات.

وفي أعقاب الانتخابات، تزايدت عزلة المعتصمين، وقل عددهم إلى بضع مئات، مما أغرى إليسكو بمحاولة فض الاعتصام عبر استخدام قوات الشرطة بعد مرور بضعة أسابيع على انتهاء الانتخابات. وهنا اندفع الثوار في اتجاه التصعيد، حيث هاجموا مبنى وزارة الداخلية وأشعلوا النار فيه قبل التوجه إلى قسم الشرطة الرئيسي وتحرير المساجين، والبدء في الاستيلاء على السلاح. وشجع ذلك إليسكو على الادعاء بأن البلد يتعرض لمحاولة انقلاب. ولما كان إليسكو غير واثق بالكامل من رد فعل الجيش، وجه نداءً عبر الإذاعة إلى العمال والفلاحين بالتدخل لحماية الديمقراطية والحكومة. وكان إليسكو يتبنى خطابًا شعوبيًا أشبه برطان الجماعات والأحزاب الفاشية قبل الحرب العالمية الثانية. فقال موجهًا خطابه إلى عمال المناجم والفلاحين: “إسحقوا هؤلاء الناس في المدينة، المتعلمين الممَيَزين، الذين يظنون أنهم أفضل منكم”. وفور توجيه النداء، بدأ عمال بوخارست في النزول بأعداد كبيرة إلى الشارع لمواجهة الثوار الذين صعَّدوا هجماتهم باقتحام مبنى التليفزيون. لكن الذي حسم الموقف هم عمال المناجم في وادي جيو الذين وفدوا إلى العاصمة في فجر يوم 14 يونيو، واستطاعوا سحق ما تبقي من “البلطجية”، وهو التعبير المستخدم آنذاك. وأثار العنف الذي مارسه عمال المناجم ضد الطلاب والمثقفين غضب الكثيرين من عمال بوخارست أنفسهم بالرغم من عدم تأييد الكثير منهم للثوار. وفور انتهاء المهمة، أمرهم إليسكو بترك العاصمة والعودة إلى المناجم. وكان من المفارقات أن عمال المناجم عادوا إلى بوخارست في سبتمبر من العام التالي للمطالبة برفع الأجور وتحسين الأحوال المعيشية.

وقام البرلمان بوضع دستور جديد تم الاستفتاء عليه في ديسمبر 1991، وأجريت انتخابات رئاسية في 1992، فاز فيها إليسكو أيضًا بفترة رئاسية مدتها أربع سنوات. ثم ترشح في الانتخابات الرئاسية لعام 2000 وفاز على منافسه القومي المتطرف كورنيليو تيودور. وبداية من عام 1992، تم البدء في تنفيذ برنامج طويل للخصخصة، امتد نحو 15 عامًا وشابه الكثير من أوجه الفساد. وكانت الخطوة الأولى فيه تخصيص 30%  من أسهم الشركات الـ 6000 المملوكة للدولة لخمسة صناديق خاصة يكون لكل فرد بالغ في رومانيا شهادة تفيد بملكيته حصة في هذا الصندوق. وكانت الخطوة الأخيرة تأميم البنوك والمرافق الخدمية. ولعل ما حال دون الإسراع في برنامج الخصخصة أن رومانيا كانت قد سددت كامل ديونها قبل الثورة، ومن ثم لم تكن واقعة تحت ضغط المؤسسات المالية الدولية للإسراع بالخصخصة. وفي كل الأحوال، كان المستفيد الأساسي من الثورة البيروقراطية الحاكمة التي جنت ثمار الرأسمالية كما جنت ثمار رأسمالية الدولة من قبل.

الثورة الرومانية والثورة المصرية

يشير ما سبق إلى أن المقارنة بين الثورتين الرومانية والمصرية لها ما يبررها في ظل وجود الكثير من العوامل المشتركة. ففي الحالتين كان الشباب في طليعة الثورة، ووجدت قيادات الجيش في الثورة فرصة للتخلص من رأس النظام.  وفي الحالتين، سقط رأس النظام وظل النظام على حاله دون تغيير. صحيح أنه في حالة الثورة المصرية، أجبرت قوة التظاهرات التي حدثت في أعقاب الإطاحة بمبارك على محاكمة عدد من رموز النظام وضباط الشرطة، إلا أن ذلك لا يمثل فارقًا جوهريًا، لأن تباطؤ المحاكمات يشير إلى أن النظام يراهن على الوقت حتى ينسى الناس، وحينئذ يمكن إيجاد مخرج لهؤلاء. وكان واضحًا في الحالتين أن قيادات الجيش سعت إلى احتواء الثورة وتفريغها من أي مضمون. وفي رومانيا، كان نظام تشاوشيسكو أكثر ديكتاتورية بكثير من نظام مبارك، مما أدى إلى انعدام وجود قوى معارضة ذات شأن، ومن ثم ركب الموجة المسئولون السابقون الذين تم تنحيتهم جانبًا في الماضي بسبب خلافهم مع رأس النظام. وتحالف هؤلاء مع قيادات الجيش في القضاء على الثورة. وفي الحالة المصرية، كانت هناك قوة معارضة قوية لها نفوذ كبير في الشارع. لكن هذه القوة تحالفت أيضًا مع قيادات الجيش من أجل احتواء الثورة. وفي الحالتين أيضًا، كان الإنجاز الديمقراطي الرئيسي هو نظام التعددية الحزبية، أي باختصار صندوق انتخابات نظيف.

أما السمة المشتركة الأهم فهي أنه على مدار الأشهر التالية على الإطاحة برأس النظام في البلدين، اتسعت الفجوة شيئًا فشيئًا بين الثوار والشارع، حيث أصبح الشارع يرى في الثوار قوة معطلة تمنع الاستقرار وتحول دون الاستفادة من ثمرات الثورة، وأصبح الثوار يفتقرون إلى الحساسية إزاء مزاج الشارع، وهو ما ظهر من خلال النزوع إلى التعالي على التجربة الانتخابية والإصرار على الاعتصام حتى لو كان ذلك يؤدي إلى المزيد من العزلة عن الشارع، والتصور الواهم بأن الأعمال الجسورة وحدها يمكنها تحقيق الانتصار، حتى لو كانت تفتقر إلى تأييد الشارع.

وبالرغم من أوجه التشابه الكثيرة هذه، فإن هناك اختلافًا جوهريًا يفتح الآفاق لأن تكون محصلة الثورة المصرية أفضل من نظيرتها الرومانية. ويتعلق هذا الاختلاف بالسياق الذي حدثت فيه الثورتان. فقد حدثت الثورة الرومانية في ظل انهيار منظمومة رأسمالية الدولة في دول شرق أوروبا، واقتناع العالم أجمع بأن “الاشتراكية” قد ثبت فشلها وأن الرأسمالية هي القدر المحتوم والنظام الأفضل الذي يمكن أن يحكم العالم. وانعكس ذلك بقوة على قوى الصراع في رومانيا، حيث كان الجميع تقريبًا يتخذون من مسألة التحول إلى رأسمالية السوق الحرة أمرًا مسلمًا به. بل تشير معظم الكتابات عن تلك الفترة إلى أن القوى الثورية كانت ترغب في هذا التحول على نحو أسرع من إليسكو الذي أراد حدوث العملية على نحو تدريجي من أجل تفادي مشكلات التحول السريع نحو الرأسمالية، أو ما يُطلق عليه “علاج الصدمة”.

السياق الذي وقعت فيه الثورة المصرية مختلف بدون شك. ففي خلال ما يزيد عن عشرين عامًا فصلت بين الثورتين، انكشف عوار الليبرالية الجديدة، وما تسببت فيه من تدهور في مستويات معيشة الطبقات الفقيرة والوسطى. إلى جانب ذلك، تبين أن هذا النظام ليس محصنًا ضد الأزمات، وهو ما أظهرته الأزمة المالية العالمية عام 2008 ـ التي دفعت ثمنها أيضًا الشعوب، فيما ظل أصحاب الأعمال في مأمن بعد تدخل الحكومات لحمايتهم. وفي ظل هذا الوضع، تتصاعد حركات الاحتجاج في العالم ضد خطط التقشف التي تؤدي إلى الفقر والبطالة وتراجع الخدمات. إذَن فالثورة المصرية تحدث في ظل حالة من تجذُّر الصراع الطبقي في العالم تناقض تمامًا ما كان سائدًا وقت الثورة الرومانية. ومن ثم، فإن مصير الثورة المصرية لن يتوقف على تطورات الداخل فحسب، بل على تطورات الصراع الطبقي إقليميًا وعالميًا. وفي هذا السياق، ليس مصادفة أنه إلى جانب الحقوق الديمقراطية، كانت العدالة الاجتماعية مطلبًا أساسيًا من مطالب الثورة المصرية. ونتيجة لهذا السياق نجد أن جميع الأحزاب، بما فيها تلك الأكثر انحيازًا إلى رجال الأعمال، تشير في برامجها ـ ولو بالقول ـ إلى أهمية العدالة الاجتماعية ومراعاة حقوق الققراء، وتضطر إلى طرح بعض المطالب الاجتماعية مثل الحد الأدنى والأقصى للأجور. وبالرغم من أن النظام الرأسمالي مازال إلى حد كبير يُرى كأمر مسلم به من جانب القطاع الأكبر من الجماهير، فإن الدعوة إلى تحجيم قدرة هذا النظام على الاستغلال ـ عبر التأمين الصحي والاجتماعي وتقييد حق صاحب العمل في الفصل وفرض ضرائب تصاعدية على الأغنياء… إلخ ـ أصبحت تلقى قبولاً واسعًا، وهو ما يفتح الباب أمام القوى الثورية لبناء جسور للتواصل مع الشارع، سواء عبر التضامن مع الحركات العمالية والاجتماعية التي تناضل من أجل هذه المطالب، أو من خلال طرح خطاب يدعو إلى تكثيف الضغط على البرلمان ـ الذي تثق فيه غالبية الجماهيرية وتعلق عليه آمالها ـ من أجل تبني التشريعات التي تصب في مصلحة الجماهير. وفي كل الأحوال، فإن مصير الثورة سوف يتأثر كثيرًا بالنهج الذي سوف تتبناه قوى الثورة في الفترة المقبلة.

Advertisements

الوسوم:

التصنيفات : مصر, دراسة, سياسة, عالم

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

One Comment في “درس رومانيا لمصر: عزلة الثوريين بداية الهزيمة”

  1. saif sameh
    01/02/2012 في 1:03 ص #

    الان اصبح شعار تسليم السلطة للبرلمان هو التعلم من اخطاء الماضي ………..وكسر عزلة الثوار عن الجماهير

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: