إصلاح أم ثورة؟

يتعفن النظام فنبحث عن حل، ويطرح الكثيرون رؤاهم فتتجه كل كتلة وراء الحل الذي يقنعها، تتنوع الحلول ولكنها جميعا تصب في أحد طريقين: الإصلاح أو الثورة.

الإصلاح ليس نصف ثورة

الإصلاح كلمة جميلة مضللة، فإصلاح النظام الظالم هو عملياً إجراء جراحة تجميل مع الإبقاء على سرطان الظلم في عظام المجتمع، ولهذا يتساوى بالنسبة لنا ظلم الدولة الخديوية بدولة الاحتلال البريطاني والباشاوات بدولة العسكريين والسماسرة ورجال الأعمال. هدف الإصلاح هو خفض حدة التوتر الطبقي وإعادة السيطرة عليه. يقدم الإصلاح نفسه في المآزق باعتباره تغييرا ولكنه في الحقيقة استمرار للوضع الظالم ولكن “بنيو لوك”! وأغلب الناس يميلون للإصلاح لأنهم يعتقدونه الحل ولأنهم يخشون عنف الثورة، ولكن يؤسفنا أن نقول لهم إن الإصلاح مخدر وليس حلا وإن آلامه بعد زوال المخدر أشد فتكا من جراحة الثورة. فلو عاد بنا التاريخ للوراء، ألن نقف إلى جانب استمرار ثورة 1919 بدلا من إخصائها على يد الباشاوات المفاوضين مع الاستعمار بلا نهاية مستمتعين بقصورهم ومقتسمين معه غنائم شعبنا الفقير؟ ألن نقف إلى جانب اتساع وتعميق حركة 1952 بحيث ينتزع الشعب الكادح قدره بيديه بدلا من حفنة العسكريين التي سيطرت على أرزاقه؟ ألن نقف مع اتساع حركة الشعب في 1972 و1977 ضد مساومة الطبقة الحاكمة مع الاستعمار الرأسمالي العالمي والتي قادتنا إلى هذا الإفقار المتزايد؟ إذا كانت الإجابة كلا فنحن إذن لا نريد الإصلاح ولكن نريد استمرار الظلم تحت مسمى الإصلاح. يتخيل أغلب الناس أن الإصلاح يحمينا من العنف والفوضى. صحيح. ولكن أي سلام اجتماعي وأي أمن وأي نظام يوفره الإصلاح المزعوم؟ سلامه الاجتماعي هو استسلام الفقير والمضطهد للذل، ونظامه هو قانون الأسماك الكبيرة وأمنه. هو تأمين التنابلة بينما يقضي الكادحون أيامهم في رعب من عار الفقر. ثم من الذي يصبغ الثورة بالعنف؟ ما من ثورة إلا وبدأ عنفها من كلاب الحراسة التابعين للطبقة الحاكمة، ما من ثورة إلا وسبقتها عرائض وتوسلات وقضايا لم تنظر وشكاوى ألقيت في الزبالة. وعندما يضج البؤساء ويحتجون يواجههم زبانية السادة الملاك بالنار، وهنا يندلع العنف الثوري. ناهيك عن أن الفقر دون تقصير والاعتقال والتسريح وتجريد المرء من كل أدوات مقاومته لاستغلاله هي أسس العنف والحقد في المجتمع الطبقي الظالم. عندما تشكو الغالبية من النظام فلابد من تغيير جذري يتجاوز مجرد تغيير صورة “الزعيم” أو توريث العرش لديكتاتور جديد أو إحلال تنابلة برلمانية محل أخرى أو إنشاء العشرات من نوادي الدردشة الحزبية. التغيير الجذري ليس في وصول الإخوان المسلمين للإمارة ولا في إعادة الجيش لقصر عابدين ولا في تنصيب عملاء أمريكا من شباب رجال الأعمال. التغيير الجذري ليس في أي طريق من هذه الطرق الإصلاحية التي تريد ترميم سلطة السادة الملاك على حساب ملايين الفقراء والمضطهدين ممن لا يملكون ما يدخلون به السوق إلا سلعة رخيصة هي قوة عملهم المأجور، وهذه الغالبية التي تشكل الجسم الحقيقي للمنتجين الفعليين لثروة المجتمع هي أول المحرومين منها. لماذا؟ لأنها دائما ما تقع في الفخ الإصلاحي الذي يريد الآن من جديد تكريس دولة الملوك المساومين مع الاستعمار الرأسمالي العالمي وأصحاب الأعمال الذين يدورون في الفلك الرأسمالي العالمي طبعا.

الثورة والتغيير الجذري

ليس الأمر إصلاح دولة، ولكن تغيير النظام الاجتماعي برمته، بحيث يتشارك الشعب الكادح في الأعباء والمزايا، وفي تخطيط وإدارة الإنتاج والتبادل والخدمات. هكذا يتحول المجتمع الذي يتم تخطيطه من أعلى لأسفل في ظل دولة الملوك العسكريين والملاك الاحتكاريين إلى منظمة اجتماعية واسعة تنبني من أسفل يقودها المنتجون الحقيقيون لثروة المجتمع أي مأجوري اليوم الذين يتفانون في إنتاج بؤسهم طالما بقوا مؤمنين بالإصلاح لا بالثورة. ما تفعله الثورة ويعجز عنه الإصلاح هو نسف حصون المجتمع الطبقي الظالم وتطهير أوكاره المتعفنة. ليس لأن الثورة فعل عنيف بل لأنها انتصار لطبقة مظلومة على طبقة ظالمة وتعديل لنظم الإنتاج والتبادل والخدمات بحيث تتحول الثروة إلى المجتمع لا إلى خزائن الملاك. وبهذا يتقدم المجتمع كله لا قسم منه على حساب آخر. ولا يمكن إنجاز ذلك إلا بسلطة بديلة تطيح بسلطة الطبقة الحاكمة ولا تتفاوض معها أو مع أسيادها من الاستعماريين والرأسماليين العالميين. سلطة تمثل الغالبية التي تتبنى الحل الثوري بعد أن رأت بعينيها تكرار فشل الحلول الإصلاحية محليا وعالميا بدليل الاحتجاج الجماهيري المتصاعد عالميا على الرأسمالية الدموية التي تحاول الآن حل أزماتها الفوضوية بالمزيد من الوحشية والتزييف. الحل الثوري ينفي الحل الإصلاحي لأن الأخير هو دولة الملوك والملاك بينما الأول هو دولة العمل المأجور الذي يحرر نفسه ويحرر الجميع معه من عفن العالم الرأسمالي المتوحش. الحل الإصلاحي هو ديكتاتورية الأقلية التي تملك لأنها تحكم وتحكم لأنها تملك، بينما الحل الثوري هو الديمقراطية الاجتماعية حيث الحكم المباشر والفعال للغالبية المنتجة. الإصلاح هو الإبقاء على الإخطبوط الذي تتركز في رأسه الثروة والإدارة والعلم وكافة الخدمات والمتع بينما الثورة الاشتراكية هي استبدال دولة الإفقار والقمع بشبكات متضامنة من إتحادات المنتجين الفعليين. ليس الفارق الجوهري بين الثورة والإصلاح في وجود نظام نيابي، فالنيابية أداة منطقية في كل انتقال من الديكتاتورية للديمقراطية، ولكن النيابية في الحل الإصلاحي ـ أو الديمقراطية على الطريقة الغربية ـ هي تداول السلطة بين أحزاب هذه الطبقة وحدها والتي تمثل الأقلية. أي هي استمرار لديكتاتورية رجال المال والأعمال كما هو الأمر في أمريكا وأوروبا واليابان. أما النيابية في الثورة الاشتراكية فهي تعبير عن مجتمع جديد يتحرر إذ تنتقل سلطة اتخاذ القرار وتنفيذه من الجيش ومقر المندوب السامي الأمريكي ودهاليز قصور الرئاسة والبورصات والبنوك ومواخير رجال المال والأعمال وسماسرة الشعوب إلى آلاف المجالس واللجان العمالية والشعبية التي يشكلها بأيديهم وفي مواقع عملهم وسكنهم ملايين الكادحين المأجورين الذين حرموا طويلا من ناتج عملهم لأنهم عاشوا يخدمون طبقة خائنة كما عاش ومات آباؤهم فداء لمصالحها الوضيعة.

ليست الثورة الاشتراكية تشييد إمبراطورية روسية أو صينية جديدة ولا هي صناعة دولة معزولة مثل كوبا أو كوريا الشمالية ولا هي دولة عبد الناصر أو القذافي قطعا. وتسمية القمع والابتزاز بالاشتراكية لا يعني إلا أنه قمع وابتزاز يتمسح في مسمى لا يمت له بصلة، فلا اشتراكية بلا سلطة للجان والمجالس التي يكونها بحرية ويسيرها بنفسه الشعب الكادح والتي يخرج منها وحدها كل قرار يمس الإنتاج والتبادل والخدمات المختلفة. وكل تلك المسميات الاشتراكية الزائفة من ستالين إلى كاسترو عاشت على مص دماء جماهيرها لأن القمة تسيطر على القاعدة وهو عكس ما حاولت إقامته التجارب الثورية العظيمة والتي استطاعت أن تضيء لنا بصيص الأمل للحظات قصيرة من روسيا 1917 إلى المجر 1956 إلى فرنسا 1968 وغيرها كثير. وبالطبع كانت الرأسمالية تهرع من كل البلدان لسحق الجنين الاشتراكي الثوري لأن في انتصاره تدميرا لها ككل، ذلك أن النظام الرأسمالي ظاهرة عالمية يناقضها تماما الأفق الاشتراكي الثوري الذي تفجره شرارة تندلع هنا أو هناك. وفي هذه اللحظة قد تندلع الشرارة في محيطنا الإقليمي حيث يذبح الاستعمار الرأسمالي جماهيرنا الفقيرة بالسلاح وبالاقتصاد “الحر” -الحر من كل قيم إنسانية كما نرى – مع تواطؤ الطبقة الحاكمة العربية التي لا زالت تحاول إقناعنا أنها تبحث عن حلول لأزماتنا لا لأزماتها وأزمات الفوضى الرأسمالية العالمية. تشتبك الآن جماهيرنا الفقيرة في صراع حياة أو موت مع الاستعمار والطبقة العميلة ولهذا فلابد من ثورة اشتراكية تطيح بهؤلاء التنابلة وتخلق جبهة قوية من الملايين الذين يهبون بكل ما يقع تحت أيديهم من أسلحة لتحطيم مثلث الشر الذي يعرقلنا: أمريكا، إسرائيل، وقبلهم طبعا الأنظمة العربية. الثورة الاشتراكية العالمية تحتاج إلى شرارة تشعل النار في الهشيم، وليس كثيرا على فقراء مصر وثورييها الحقيقيين أن يحصلوا على هذا الشرف التاريخي. شرف تغيير وجه العالم الظالم.

نشر للمرة الأولى في مجلة  راية الاشتراكية

العدد 29 /  15 مايو 2004


Advertisements

الوسوم:

التصنيفات : نظرية

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: