كيف يمكن للثوريين كسب الجماهير؟

“من أجل تغيير المجتمع، من الضروري تغيير الإنسان على نطاق واسع؛ على نطاق لا يمكن تصوره إلا في غمار حركة جماهيرية ـ في غمار ثورة. الثورة إذن ضرورية ليس فقط لأنه لا يمكن إسقاط الطبقة الحاكمة بوسيلة أخرى، ولكن أيضا لأن الطبقة المناط بها إسقاط الطبقة الحاكمة ـ أي الطبقة العاملة ـ لا يمكنها أن تنجح في التخلص من العفن الذي علق بها على مدى السنين، ولا يمكنها أن تصبح مؤهلة لبناء المجتمع من جديد، إلا من خلال ثورة”. ماركس وإنجلز 

ربما كانت أهم سمة تميز منظور الاشتراكية من أسفل ـ منظور التحرر الذاتي للطبقة العاملة ـ هي الآتية: عندما تكون المسألة المطروحة هي التغيير الجذري للمجتمع، لا يمكنك أبدا الفصل بين الغاية والوسيلة. فإذا كانت الغاية هي تحرر الجماهير العريضة، وفي القلب منها الطبقة العاملة، من أغلال الرأسمالية، فإن الوسيلة لا يمكن أبدا إلا أن تكون النضال الثوري لتلك الجماهير العريضة ذاتها.

فالحركة الجماهيرية، بمدها وجزرها وصعودها وهبوطها، هي النقطة المرجعية الرئيسية لأي مناضل ثوري. تحليل هذه الحركة، وفهمها، وقبل كل ذلك الارتباط بها، هو أساس نشاط أي حركة ثورية تطمح إلى التغيير الجذري للمجتمع.

لكن المشكلة التي تواجهها أي حركة ثورية، وهي مشكلة تنشأ بسبب طبيعة المجتمع الطبقي (الرأسمالي بالذات)، هي أن الحركة الجماهيرية لا تتبنى بشكل عفوي تلقائي المنظور الثوري للتغيير.  تدلنا خبرة التاريخ أن الجماهير عندما تتحرك معلنة رفضها لهذا المظهر أو ذاك من مظاهر الاستغلال والاستبداد الرأسمالي، فهي تتحرك متأثرة، إلى حد أو آخر، بخليط غير متجانس من الأفكار الإصلاحية وشبه الراديكالية، جنبا إلى جنب مع الأفكار الثورية.

لا عجب في هذا. ليس فقط لأن الجماهير، بالمعنى الواسع للكلمة، هي خليط طبقي واسع يضم طبقات وفئات طبقية متباينة في مصالحها ودرجة جذريتها. ولكن أيضا لأن هناك درجة واضحة من التفاوت في الخبرة والتماسك فيما بين الأقسام المختلفة للطبقة العاملة ـ أكثر الطبقات ثورية في المجتمع. ولا ينبغي أن ننسى أيضا أن مسرح النضال الطبقي، وهو مسرح معقد وزاخر بالتفاعلات، مليء بقوى سياسية – طبقية تتصارع فيما بينها على قيادة الحركة الجماهيرية ودفعها في هذا الاتجاه أو ذاك.

الاشتراكيون، في مواجهة كل تلك المعضلات، لا يمكن أن يقفوا مكتوفي الأيدي. فإذا كان التغيير الثوري يتطلب بالضرورة تبني الجماهير ذاتها، بقيادة الطبقة العاملة، للبرنامج الثوري للتغيير، يصبح السؤال إذن هو: كيف يمكن صهر التجربة الجماهيرية ودفعها في اتجاه اكتشاف إمكانية، وضرورة، البديل الثوري؟‍

هناك إجابات متعددة قدمها الثوريون، عبر التاريخ وحتى يومنا هذا، لهذا السؤال الحاسم. أحد هذه الإجابات هي ما يمكن أن نطلق عليه الإجابة العصبوية: لا ينبغي أن يدنس الثوريون أنفسهم بالانغماس في النضالات الإصلاحية ذات الطابع “الرجعي-الجزئي”. كل ما على الثوريين أن يفعلوه هو أن يثبتوا في مواقعهم طارحين مشروعهم التحرري، بإصرار ودأب، حتى تحين اللحظة التي تكتشف فيها الجماهير صحته.

أزمة هذه الإجابة هي أنها ليست إجابة. فكيف يمكن أن “تكتشف الجماهير صحة المشروع الثوري التحرري”؟ كيف يمكن الربط بين تجربة الجماهير والأهداف الثورية الاستراتيجية؟

الوعظ العصبوي، بالتأكيد، ليس حلا. لابد من الانغماس في تجربة الجماهير اليومية. لابد من الانغماس في النضالات الإصلاحية الجزئية. بلغة أخرى لابد من العمل، في قلب المعمعة، على كسب وعي الجماهير وتخليصه من الأفكار الإصلاحية وشبه الراديكالية.

كيف يمكن هذا؟ لن يكون كافياً أن تكتشف الجماهير عدم فعالية الأفكار والبرامج الإصلاحية. بل لن يكون كافيا أن تكتشف الجماهير خيانة الإصلاحيين. هذه وتلك تكفيان، فقط، لإلقاء الجماهير في مستنقع اليأس والإحباط. أما أن يكون اكتشاف لا فعالية وخيانة الإصلاحية نقطة البدء لاكتشاف ضرورة البديل الثوري، فهذا شأن آخر؛ شأن يحتاج، بادئ ذي بدء، إلى وجود البديل الثوري كقوة حية في قلب المعمعة.

من هنا تأتي أهمية العمل المشترك مع الإصلاحيين ومع الثوريين غير الاشتراكيين. أن تعمل معهم أي أن تحصل على فرصة التأثير على جماهيرهم ـ في غمار المعركة وليس بالوعظ والإرشاد المدرسي. وهذا بالقطع لا يتحقق إلا بتوفر عدد من الشروط.

أول هذه الشروط هي أن يكون عملك المشترك مع الإصلاحيين له طابع جماهيري راهن أو ممكن. فليس من المنطقي أن تشتبك مع الإصلاحيين في عمل يعزلك عن جماهيرهم. ما الفائدة إذن؟ ثاني الشروط أن تسمح لك قواعد العمل المشترك بنقد الإصلاحيين وتوجهاتهم وتكتيكاتهم واستراتيجياتهم على أساس من تطورات المعركة. فلن يكون مقبولا أن تعمل مع آخرين بهدف التأثير في جماهيرهم ـ وأنت تعلم أن هذا ممكن لأن أساليبهم وأهدافهم ستتعارض في نقطة ما من تطور الصراع مع مطالب وطموحات تلك الجماهير ـ ليس مقبولا أن تفعل ذلك ويسلب منك حقك في أن تبين، في غمار التجربة، لماذا وكيف يخون الإصلاحيون الحركة. أما آخر هذه الشروط فهو الاستقلالية التنظيمية. وهي تعني أن الاستعداد، حتى نهاية المطاف، للمساهمة بكل الطاقة في بناء أوسع حركة ممكنة، لا يتعارض أبدا مع مهمة بناء المنظمة الثورية الجماهيرية ذات الأهداف السياسية الموحدة الواضحة.

الطريق إلى الثورة ليس مستقيما. هو طريق مليء بالتعرجات والعقبات. ولن يكون ممكنا بناء حركة اشتراكية جماهيرية حقا إلا إذا تعلم الثوريون كيف ينغمسوا في أوسع الحركات والمعارك ـ كيف يشتبكوا في عمل مع آخرين ـ بينما هم في نفس الوقت يعملون على غرس الأفكار الثورية، بأكبر وأوسع معانيها، في أوساط الجماهير في خضم المعارك الدائرة اليوم وغدا.

نشر للمرة الأولى في مجلة “راية الاشتراكية”

العدد 15 / يوليو 2003

Advertisements

الوسوم:

التصنيفات : غير مصنف

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: