التحرير والتطهير

محمد شفيق

“سانيمنتو”. ربما يبدو هذا المصطلح غريباً على أذن الكثيرين، ولكنه كان اللفظ الأكثر شيوعاً في البرتغال سنة 1974 ويعني بالعربية “التطهير”. كان هذا هو المطلب الشعبي بعد الثورة البرتغالية الناجحة، والتي خرجت بالبرتغال من نير الديكتاتورية إلى رحاب عصور الديموقراطية والحرية. نفس المصطلح تكرر في أعوام 1997 و1998 في إندونيسيا بعد الانتفاضة الطلابية الناجحة التي أطاحت بالديكتاتور سوهارتو. الفارق في الحالتين هو مصير المطالبة بالتطهير؛ حيث نجحت إلى حد كبير في البرتغال، فيما فشلت في أندونيسيا؛ هو الفارق بين كون ما حدث فى البرتغال يطلق عليه الآن ثورة، وأن ما حدث في أندونيسيا يطلق عليه مجرد انتفاضة ناجحة.

هناك تعريفات كثيرة للثورة ولعل أكثرها عمقاً وبساطة هو تعريف الاشتراكي الروسي تروتسكي بأنها “العملية التي يدخل فيها ملايين من البشر البسطاء إلى حلبة السياسة ويبدأون فى تقرير كيفية إدارة حياتهم وإدارة شئونهم بنفسهم”، وهذا ما حدث بالضبط في كلٍ من البرتغال وأندونيسيا. كلا الشعبين انتفض ضد عقود من الديكتاتورية والقهر السياسي والاقتصادي، وقررا في لحظة تاريخية فارقة الثورة على الأوضاع القائمة وتحديد مصائرهم بأيديهم. استطاع البرتغاليون إسقاط الديكتاتورية بأكملها وذلك يعني تطهير جهاز الشرطة والأمن من القيادات التي طالما تعاونت مع النظام وعملت على قمع الجماهير وأيضا كل المؤسسات الحكومية وقياداتها الفاسدة وكل قيادات الأحزاب الكارتونية والنقابات الصفراء، مما مكن الثوار البرتغاليون من البدء في البناء على أسس ديموقراطية سليمة وقدرة واسعة للشعب على انتخاب ومحاسبة رؤسائه وقياداته في كل مواقع العمل من شركات ومصانع ومؤسسات فاستطاعوا اللحاق ببقية الدول الأوروبية في ركب التقدم الحضاري والصناعي إلى حد كبير. فشل الإندونيسيون، في المقابل، في توسيع نطاق التطهير ليتجاوز الديكتاتور سوهارتو وبعض معاونيه وهو ما أدى إلى تحجيم حجم التغيير إلى مجرد بعض الإصلاحات البسيطة في النظام البرلماني والحريات الممنوحه للأحزاب ولذا يعاني الملايين من الإندونيسيين حتى الآن من نفس المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي كانوا يعانون منها أيام سوهارتو, ناهيك عن ضعف التقدم في المجال الاقتصادي والاجتماعي للنظام الإندونيسي الجديد فيما بعد الانتفاضة.

الأمثلة غير هذين البلدين كثيرة، والتاريخ يطرح السؤال من جديد على الثورة المصرية: هل ستتبع النموذج البرتغالي أو الإندونيسي؟؟

لماذا التطهير؟

لا ينبع فكر التطهير من مجرد غريزة الانتقام من رموز العهد البائد، ولكنها تحتوى على دلالات اجتماعية واقتصادية وسياسية في غاية الأهمية. فالديكتاتورية قبل أن تكون نظام سياسي شمولي يستند على أداة قمعية (الشرطة)، فهو أيضا يستند على تركيبة اجتماعية واقتصادية في غاية التعقيد تمتد جذورها من أكبر مؤسسة (الرئاسة) إلى أصغر وحدة صحية أو مستشفى أو شركة. لذا لم يكن غريباً على الثوار المصريين الذين طالما هتفوا بسقوط النظام أن تستمر حركتهم بعد الإطاحة بالديكتاتور مبارك. فمطالب مثل اختيار قادة أو عمداء الجامعات، وجعل اختيارهم بالانتخاب بدلا من التعيين، وتغيير الوزراء ورؤساء الشركات والمصانع والمستشفيات الفاسدين وعملاء النظام السابق، هى مطالب في صلب الحركه الثورية وهي الضمان الأساسي لاكتمال التخلص من مؤسسات السيطرة الناعمة للديكتاتورية من المنبع اعتماداً على معرفة ودراية العاملين بكل منشأة بعملاء النظام السابق فيها. وبالطبع تأتى على رأس هذه المؤسسات المؤسسة الأمنية (الذراع الباطش للديكتاتورية).

يأتى فلول النظام السابق والقوى السياسية المحافظه كالأخوان المسلمين في مقدمة القوى التي تقف ضد هذا الاختيار والتي تقف باستمرار في وجه تعميق الحركة الثورية، وقصرها على بعض التغييرات والرتوش الديموقراطية في مجلس الشعب أو مؤسسة الرئاسة، بدون النظر إلى عمق الأزمه الاجتماعية والاقتصادية، والتي أدت لتفجر الثورة من الأساس والتى لن تحل إلا بحلول جذرية من المنبع.

Advertisements

الوسوم:

التصنيفات : غير مصنف

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: