إلى ثوار التحرير وميادين مصر المختلفة: دعوة لتنظيم الصفوف

هيثم جبر

آن الأوان أن يقف الثوار المقاتلون أمام مجلس الوزراء وشارع القصر العيني وقفة يعيدون فيها تقدير الموقف، وحساب الخسائر والمكاسب، والتفكير في إعادة تنظيم أنفسهم استعداداً للمعارك القادمة.

على مدار ما يقرب من شهر، خاض مناضلون من طراز فريد، معارك ضارية ضد سفاحي الجيش وكلاب الداخلية، بدءاً من موقعة محمد محمود وحتى موقعة مجلس الوزراء وميدان التحرير يومي الجمعة والسبت الماضيين.

لكن علينا أن نسأل أنفسنا، ماذا جنينا؟ وماذا ينقصنا لكي نكمل طريقنا، حتى نحقق هدفنا، ونطيح بحكم العسكر، ونرسخ أقدام ديمقراطية حقيقة تجلب العدالة الاجتماعية؟

وضع اعتصام ميدان التحرير ومن بعده مجلس الوزراء أساس قوي لحركة ضد حكم العسكر؛ حركة أخذت تتسع وتنمو خلال الشهور العشرة الماضية، وعبرت عن نفسها في أعلى نقطة بعد أحداث 19 نوفمبر، لكن الاعتصامين استنفدا الغرض منهما بعد فترة، وكان لا بد من التفكير في الخطوة التالية لتطوير هذه الحركة.

سقط في هذه الفترة ما يقرب من 49 شهيدا (40 في معركة محمد محمود و9 أمام مجلس الوزراء)، وأصيب عشرات آخرون، وفقد عشرات مثلهم عيونهم، وتسمم ما يقرب من 60 معتصماً في موقعة الحواوشي.

كل ذلك أقل ما نقدمه من ثمن في سبيل هدفنا، بشرط إذا كان يقربنا من هذا الهدف؛ بمعنى إذا دفعنا ذلك خطوة على طريق الإطاحة بحكم العسكر، بالضبط كما كانت دماء شهداء السويس في 25 و26 يناير مفجرة “جمعة الغضب” في 28 يناير، حين امتلأت ميادين وشوارع مصر بالثوار ولم يخلوها حتى خُلع الديكتاتور.

الوضع في نوفمبر لم يكن كذلك، لم تخلق رائحة الدماء ومناظر العنف، نفس الحالة الثورية التي خلقتها في يناير. والسبب معروف، فصورة الثورة الآن مقسمة إلى مشهدين؛ الأول تدور أحداثه في ميدان التحرير وأشباهه في بعض الميادين الأخرى بالمحافظات، وأبطاله هم الثوار، الأقلية من الطليعة الثورية المتقدمة؛ والثاني في الشارع بين الناس العاديين، الأغلبية التي تضم خليط من المخدوعين بوهم الرغبة في الاستقرار كما تبثه الثورة المضادة، إلى جانب أصحاب المصالح الطامعين في قطعة من كعكة الحكم، وللأسف وراء هؤلاء قطاعات كبيرة من الجماهير.

الخطر الكبير الذي يواجه الثوار اليوم نابع من عدم إدراكهم هذا الوضع وأثره الجوهري على الاستمرار نحو هدفهم. فقد تصورنا أننا بمفردنا، دون دعم من الشارع، نستطيع من خلال اعتصام “صلب” لحفنة من المقاتلين بميدان التحرير أو مجلس الوزراء، إجبار المجلس العسكري، وحكومة الجنزوري معه، على التخلي عن السلطة وتسليم الحكم لحكومة ثورية، لا نعرف عنها شيئا ولا نتفق حتى على ملامحها.

هذا التصور الخاطيء الذي تبناه الثوار، ضاعف من النزيف في جبهتهم. فرغم الضعف الواضح الذي بدا عليه اعتصام ميدان التحرير، من حيث العدد والتأثير، أصروا على الاستمرار بالإنضمام إلى اعتصام مجلس الوزراء، الذي لم يكن أقل ضعفا، حتى بعد ضم الاعتصامين.

إذا نحن أمام خطأين كبيرين، يحب أن نعترف بهما، والتعامل معهما، إذا كنا صادقين وراغبين في مواصلة النضال من أجل بلوغ الهدف، وإذا كنا نفكر في أدوات جديدة تخرج الحركة من حالة ضعفها.

الخطأ الأول: عدم إدراكنا أن الجماهير في الشارع بعيدة عنا لأسباب لها علاقة بتأثيرات الثورة المضادة التي يجب مواجهتها.

الخطأ الثاني: اعتقاد الثوار أنهم منفردون يمكنهم إحراز النصر، وتحقيق هدف بحجم إسقاط المؤسسة العسكرية، بما يعنيه ذلك من إسقاط الدولة نفسها، دون دعم جماهيري مشابه لأيام الثورة في 25 يناير إلى 11 فبراير.

إذا اتفقنا على ذلك، أتصور أن على الثوريين القيام بمهمتين أساسيتين الآن وفورا:

1-    مد الجسور مع الجماهير العريضة أينما كانوا، في كل المعارك التي يخضونها، من أنبوبة البوتجاز إلى انتخابات مجلس الشعب، حتى لو كنا مقتنعين أن هذه المعارك جزئية أو إصلاحية أو ليست موجهة بشكل مباشر ضد حكم العسكر، فطالما كانت هذه المعارك هي الشغل الشاغل للجماهير الآن، فوجودنا إلى جانبهم فيها بكفاحية هو طريقنا الوحيد لكسبهم إلى قضيتنا.

2-    القيام بالمهمة الأولى مستحيل دون تنظيم الثوريين لأنفسهم، لأن الدعاية للفكرة والدفاع عنها، والالتحام بدأب وصبر مع نضالات الناس، وعملية الحشد والتعبئة طويلة المدى، كل ذلك يحتاج إلى جهد منظم، ومنفتح في نفس الوقت، يستوعب كل الآراء المختلفة التي تقف على أرضية استمرار الثورة. بمعنى آخر،  نحن نحتاج إلى جبهة ثورية تكون بمثابة أركان حرب للحركة.

خلاصة القول، الطريق طويل، ولن نحرز الانتصار بالضربة القاضية. سوف نبني انتصارنا معركة معركة. لكن إذا لم نتعلم التوقيت والطريقة الصحيحة للكر والفر، ستكون النتيجة أن تستنزف قوانا في معركة واحدة، سيخرج منها العدو منتصراً، وإذا لم نهزم، سنتراجع خطوات كثيرة إلى الخلف.

لذلك أدعو كل القوى الثورية التي تريد إكمال الثورة، والعمل من أجل الإطاحة بالمجلس العسكري، وكل نظام مبارك، والتي تسعى لإرساء ديمقراطية حقيقية، تكون للجماهير الكلمة الأولى والأخيرة فيها؛ أدعوكم ألا تضيعوا مزيدا من الوقت، واجلسوا سويا اليوم وليس غدا، لبناء هذه الجبهة، والعمل وسط الناس.

Advertisements

التصنيفات : مصر, رأي, سياسة

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: