حزب الكنبة الذي أسأنا إليه

عزة خليل

كثر التباكي مؤخرا على الأغلبية الصامتة. ويشاء العليم أن يكون أشد المتباكين بالصدفة من أكثر المرتبطين بالنظام السابق/الحالي، وأن يكون كلام “الصامتة” مظاهرات تعبيرية (مفبركة). فما سر هذا الحنان والاهتمام المفاجئ برأي غالبية الشعب وخروجها عن صمتها. فهل ولدت هذه الأغلبية خرساء نتيجة لتشوه خَلقي. أم أنها أخُرست بفعل فاعل، خلال عقودا من القهر مارسته عليها أجهزة قمع النظام الشرسة، تحت رعاية أعوان مبارك سابقا، المتباكون حاليا.

وبصرف النظر عن شراسة هذه الأجهزة الأمنية مع معارضي النظام خلال تلك العقود، فهل سلمت الأغلبية عندما ابتعدت عن السياسة والأحزاب وبلاويها؟ بالطبع لا.  فكلما استفحل الفساد وتكاثر الفقر، كلما اشتد بطش أجهزة الأمن واتسع. حتى اصبح عمل الشرطة المدنية لا ينفصل عن الضرب والتعذيب والأهانة في الأقسام والشوارع. ومن خلال الإهانة وإهدار الكرامة، أصبح رجل الشرطة الباشا صاحب السطوة النفسية والفيزيقية على العباد. وكان من قسوة بطشهم، اقتناع الشعب نفسه بأنه لا يمكن حكمه إلا بالكرباج. فتغطرس النظام أكثر، معتقدا أن أجهزة قمعه بإمكانها إرهاب الشعب وتركيعه وشل حركته إلى أبد الآبدين. فتمادي في عبثه بمواردنا وأصولنا وأموالنا، وأكثر في البلاد الفساد. ولم يقرأ النظام بسبب غطرسة القوة دلائل تململ الشعب وفورانه الداخلي. فكانت صدمته ساحقة عندما شاهد جموع الشعب تساقط أجهزته أرضا، بينما انفرط جنوده وضباطه أمامها مهرولين.

ولم يفهم النظام من هذا أن للشعب إرادة قد تتوارى ولكنها لا تموت. وبعدما طارت رأسه، ذر المساحيق على جراحه، ودعم التحالفات داخله، وبدأ يعدل وضع ركوبه على أنفاس الشعب. وبإصرار عنيد بدأ رموز النظام السابق في الدعاية لأنفسهم من أجل وراثة مبارك في الحكم. وكأن الشعب تحمل كل هذا للتخلص من نجل الرئيس، حتى يصعد عديد من أنجال النظام. وكان صبر عمرو موسى الأكثر نفاذا، فهو أول المترشحين، وتلاه أحمد شفيق وعمر سليمان وغيرهما من المدنيين والعسكريين.

وبعد انتشارفضائح جرائم الفساد في الصحف العالمية، وبعد إلحاح ميدان التحرير وميادين الحرية في المحافظات على علنية محاكمة رموز النظام، بدأ نشر بعض التحقيقات في صحف مصرية. وقلنا أول الغيث قطرة. ثم قرأنا في موقع “اليوم السابع” أن جهة سيادية تحذر، وتطلب حجب التحقيقات مع الرئيس المخلوع (مبارك)، ونائب الرئيس السابق (عمر سليمان). إذ رفعت هذه الجهة تقريرا إلى المجلس العسكري، تحذر فيه من استمرار نشر التحقيقات مع أقوى رجلين في مصر قبل الثورة، وفقا لتعبير التقرير. وإذ يؤدي حجم المعلومات التي أدليا بها، إلى كشف أسرار البلاد العليا، التي يمكن لأجهزة المخابرات الأجنبية، وخاصة إسرائيل وأمريكا وإيران، الاستفادة منها. فهل ما يُخشى منه بالفعل إسرائيل وأمريكا وإيران، أم ان هناك رغبة في التستر، وأن النظام العازم على البقاء للابد، لايريد التضحية حتى بتغيير الوجوه؟

وفي الوقت نفسه، نشرت صحيفة المصري اليوم وثائق توضح دور اللواء عمر سليمان في صفقة الغاز الطبيعي مع إسرائيل، التي أذاقتنا الويل في الفترة السابقة، كما تقول صفحة “الحملة الرسمية لترشيح عمر سليمان رئيسا للجمهورية” في ردها على المصري اليوم. وتذكر الصفحة في الدفاع عن هذا الدور (تيسير الصفقة) إنه كان بصفة اللواء الرسمية (ليس بصفته الشخصية!). وإذا كان ذلك يثير الفضول للكشف عن صفة ترشحه للرئاسة، وهل هي رسمية أم غير رسمية، فعلى الأغلبية الصامتة أن تستفتي قلبها، حيث يتعذر اجراء استفتاء جديد لضيق الوقت، ولدواعي الأسرار العليا.

وتهيب الحملة بالشباب على الصفحة ذاتها، بالتطوع لمساعدة الأغلبية الصامتة، كما هو مذكور نصا. وتنشط الحملة الآن في جمع 30 الف توقيع من أجل ترشيح عمر سليمان لرئاسة مصر. ولكن قبل ذلك وأثناءه، تجمع أيضا مليون توقيع لتأييد المجلس العسكري. وتتوجه الحملة إلى الأغلبية الصامتة في مقرها الجديد بميدان روكسي، وتنظم احتفالية للقوات المسلحة يوم الجمعة المقبل.

وبينما لا يملك أحد التحدث باسم الأغلبية الصامتة، طالما إنها صامتة، إلا إنه يصعب توقع أن صمتها علامة الرضا عن النظام، بل المنطقي أن يكون إحباطا من إمكانية تغييره. وإذا تخيلنا الصامتون يتحدثون، فسيكون هذا  في الأماكن والمواصلات العامة والمجالات الخاصة، ونحن نسمعهم ونراهم كل يوم فلسنا من كوكب آخر.  أما أن يخرجوا عن صمتهم ويتظاهرون دفاعا عن النظام، فهذا لا يدخل عقل إلا بصفته التعبيرية.

قد تضم الأغلبية الصامتة بعض الفئات المتضررة ممن يحصلون على دخلهم باليوم، ولذا يشعرون بالضيق مع مرور الوقت. وربما تتضمن من يخشون المستقبل بعد الثورة، فالغامض مخيف دائما. وقد يشعر البعض بالإحباط نتيجة إصرار النظام على ألا يتنازل عن أقل القليل، إلا بشق النفس واستبسال الثوار. هذا فضلا عن دعاية إعلام النظام وبيانات ومتحدثي المجلس العسكري المضادة للثورة، التي تضع الشعب والثوار في مواجهة بعضهم بصورة مفتعلة.

وبصرف النظر عن هذا، تقع بعض المسئولية على الثوار أنفسهم، إذ انهمك بعضهم في لوم غير المشاركين معهم، وإطلاق تسميات مسيئة عليهم مثل حزب الكنبة وغيره. وانخرط آخرون في الأنشطة المركزية بالتحرير، ولم يعطوا الانتباه الواجب لضفر الأحياء مع المركز، والقاهرة مع المحافظات. ونسى أولئك وهؤلاء أن يوم 28 يناير الذي حسم انتصار الثورة، لم يكن إلا بخروج هذه الأغلبية التي سقط منها الشهداء وتصدت ببسالة لشراسة اجهزة القمع، حتى سقوطها.

ولا تقتصر ضرورة انصهار كل فئات الشعب في بوتقة الثورة على سد الطرق أمام تضليل اعداء الثورة فقط، ولكن أيضا لأن هذا الانصهار شرطا لتحقق التفاعل الذي يولد منه قلب الثورة الصلب، القادر على إسقاط النظام بالفعل، وبناء نظام الثورة الجديد. فإذا كانت الغالبية الصامتة تريد الاستقرار، فلن يسعى الفقراء بالطبع إلى  استقرار نظام القهر والفساد الذي مصيره إلى زوال، ولكن استقرار نظام العدالة الاجتماعية المقبل.

Advertisements

التصنيفات : مصر, رأي, سياسة

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

One Comment في “حزب الكنبة الذي أسأنا إليه”

  1. 19/07/2011 في 10:24 م #

    أوافق ان الأغلبيه احنا ما نقدرش نتكلم نيابه عنهم وكل شخص بيشوف جزء من الواقع مش كله يعنى فى أحد مراكز الأقاليم كلمت ناس كتير انطباعهم عن الثوره سىء وفيه شك فى الى حصل وانا مش عارفه ده بسبب الأعلام ولا طريقه تفكير فيها الشك والتخوين اتزرعت من النظام الى حسيته ان المفروض حاجه تتعمل للناس بس مجهود كبير مين الى يعمله مش عارفه لكن اطلب من الشباب الى بيطلع التلفزيون انه يقاطعه الأعلام لمده اسبوع عشان الناس من كتر الأخبار زهقت وما بقتش تصدق حد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: