ماذا لو استولى الإخوان المسلمون على السلطة؟

تامر وجيه

كُتب هذا المقال في أبريل عام 2005، عندما كانت كفاية في أوجها، وعندما اعتقد البعض أن تحولا ديمقراطيا على وشك الحدوث في مصر. وبالرغم من أن الظروف اليوم تختلف اختلافا بينا عن 2005، إلا أننا لازلنا نناقش “ماذا لو استولى الإخوان المسلمون على السلطة؟” فلنعتبر هذا المقال فتح لباب النقاش حول المستقبل السياسي لمصر. فهل نعتبر فوز الإخوان في انتخابات قادمة نهاية للمطاف، ومن ثم نسعى إلى منع الانتخابات البرلمانية أو الوصول إلى تسوية ما تضمن تقسيم حصص المقاعد البرلمانية بغض النظر عما تفرزه الانتخابات؟ أم تكون استراتيجتنا هي، كما يلمح المقال، الحفاظ على حيوية الحركة الثورية من أسفل وخلق البديل الراديكالي والإصرار على أن يكون الإخوان، أو غيرهم، مجرد محطة على طريق عملية تجذير ثوري سيعتمد على قوة وتنظيم الشارع وعلى ميلاد بديل سياسي يعبر عن الإمكانيات الجذرية للثورة؟

في الأسابيع الأخيرة، وبعد أن لاحت في الأفق فرصة للتغيير الديمقراطي في مصر، بدأ بعض من كانوا لا يتوقفون عن الطنطنة بالديمقراطية يراجعون أنفسهم. فقد ظهر من بين الليبراليين (مثلا: حازم الببلاوي) من يقولون أن “الديمقراطية السريعة” ربما تكون أسوأ من الديكتاتورية! يطرح هؤلاء الفكرة التالية: لو أصررنا على مطلب انتخابات ديمقراطية في أقرب فرصة ممكنة سوف تكون النتيجة هي قفز الإخوان المسلمين على السلطة، وهو ما يعني عمليا تصفية المكسب الديمقراطي لأن الإخوان – في رأي هؤلاء – سوف ينقلبون على الديمقراطية، ومن ثم سنعود إلى الحكم الشمولي، وبما أن الشمولية الإخوانية (هكذا يعتقدون) أسوأ ألف مرة من شمولية مبارك، فالأفضل أن نعطي هذا الأخير الفرصة للاستمرار في الحكم خلال فترة انتقالية حتى يستطيع الليبراليون أن يبنوا أحزابا قادرة على خوض المنافسة الانتخابية!

 خيانة اليسار

هذا المنطق الفضيحة يكشف حقيقة الليبرالية المصرية وحدودها السياسية. لكن المدهش فعلا أن جناحا من اليساريين يتبنى منطقا شبيها انطلاقا من شعار رجعي هو: “أي شيء أفضل من الإسلاميين”. فبعد أن تحالف قسم من اليسار على مدى سنوات مع الدولة ضد الإسلاميين، يأتي بعضهم الآن ليرفع شعار “ديكتاتورية مبارك أفضل من حركة جماهيرية تؤدي إلى ديمقراطية الإسلاميين” ليجهز على البقية الباقية من مصداقيته المتآكلة. وبما أن “أي شيء أفضل من الإسلاميين”، فلنا أن نتوقع أن هؤلاء اليساريين سوف يتحالفون، حين يجد الجد، مع أمريكا، تماما كما فعل أمثالهم في العراق حين قالوا أن “أي شيء أفضل من صدام”، فكانت النتيجة أن دخلوا بغداد على ظهور الدبابات الأمريكية!

الحقيقة أن هذا الموقف لبعض اليساريين يشوبه كثير من النفاق. إذ يتناسى هؤلاء أن السبب الرئيسي وراء نمو جماهيرية القوى الإسلامية كان خيانة اليسار للجماهير. فلولا أن القسم الأهم من اليسار، كما قلنا، قرر دعم الدولة في معركتها ضد الإسلاميين، ولولا أنه قرر إعادة تعريف اليسار ليصبح فقط قوة “علمانية عقلانية” تحارب ما يسمونه بالجهالة وتدافع عن النظام، لما أصبحت قوى اليسار مهلهلة إلى حد أن بعضها أصبح محسوبا على السلطة كديكور معارض.

 هل يصل الإخوان إلى السلطة؟

لكن هل قطعا سيصل الإخوان إلى السلطة في أي انتخابات ديمقراطية قادمة؟ الإجابة على هذا السؤال بنعم تمثل إعلانا للهزيمة قبل أن تبدأ المعركة. صحيح أن الوضع اليوم أصبح صعبا بعد أفلس اليسار وأصبحت فصائله المناضلة (والثورية) صغيرة ولا يحسب لها حساب كبير. لكن سياسة “أي شيء أفضل من الإسلاميين” لن تحل المأزق، بل ستقضي على أي فرصة للقوى العلمانية الجذرية، ولليسار المناضل، أن تعيد بناء مصداقيتها لتنافس الإسلاميين في معركة الشهور القادمة.

الإخوان المسلمون، كما كتبنا في هذه الجريدة أكثر من مرة، قوة ذات طبيعة متناقضة. فهم من ناحية القاعدة الاجتماعية قوة برجوازية صغيرة. لكن قيادتهم على الوجه المقابل تميل بشكل متزايد إلى لعب دور المعارضة البرجوازية التقليدية من حيث مغازلة الطبقات العليا وإقناعها بأن تنظيم الإخوان المسلمين أصبح “ناضجا” لتولي مسئولية الحفاظ على النظام الاجتماعي. قادة الإخوان اليوم يلعبون لعبة الانتخابات والشرعية. هم يدافعون عن الديمقراطية البرجوازية والليبرالية الجديدة (مع بعض التحسينات)، وهم يحاولون طمأنة الغرب على مصالحه. ربما الخلاف الوحيد بينهم وبين الليبراليين التقليديين هو الطنطنة الأخلاقية التي تعكس رغبة قطاعات تقليدية من الطبقة الوسطى في التوفيق بين التحديث الرأسمالي والدين الإسلامي.

قوة بهذه الطبيعة المتناقضة ليس من المتوقع أن تقرر قيادتها تعبئة حركة جماهيرية مستقلة لإسقاط الديكتاتورية. الأغلب أن تسعى قيادة الإخوان إلى استخدام الحركة الجماهيرية كورقة ضغط محكومة ومحسوبة. معنى هذا أن هناك مساحة حقيقية لظهور بديل علماني جذري يؤمن بحركة الجماهير كطريق للوصول إلى الديمقراطية. فلو تصاعدت الحركة الجماهيرية المطالبة بالديمقراطية، ولو انغمس فيها تحالف جوهره علماني ديمقراطي، كالتحالف الذي قامت على أساسه حركة “كفاية”، لامتزج صعود الحركة بعلو نجم قوة علمانية ديمقراطية معادية لليبرالية الجديدة لأول مرة في تاريخ مصر في العقود الثلاثة الأخيرة.

ليس محتما إذن أن يظل الإسلاميون مهيمنين على الشارع. توجد فرصة لميلاد بديل آخر من قلب معركة الديمقراطية. وربما وجود هذه الفرصة هو ما يفسر لماذا قرر الإخوان أن يتحركوا منفردين يوم 27 مارس في مظاهرة مطالبة بالحرية وبإسقاط الطوارئ. فالأغلب أنهم رفضوا أن يشاركوا في مظاهرة “كفاية” يوم 30 مارس، وفضلوا القيام بتحرك منفرد، لأنهم قدّروا أن انغماسهم على نطاق واسع في حركة “كفاية”، ذات الشعارات العلمانية والقيادات الناصرية واليسارية، سوف يرفع من شعبية تلك الحركة على حسابهم. ومن ثم فقد أرادوا بحركتهم المنفردة أن يتأكدوا من عدم تحقق هذا الاحتمال.

 ماذا لو وصل الإخوان إلى السلطة؟

لكن بالرغم من ذلك لا ينبغي إهمال احتمال وصول الإخوان – أكبر تنظيمات المعارضة المصرية – إلى السلطة. تجربة إندونيسيا تعلمنا أن هذا وارد. فبعد أن أسقطت حركة جماهيرية، لعب الطلاب فيها دور رأس الرمح، ديكتاتورية سوهارتو، أتى الإصلاحيون (ومنهم إسلاميون معتدلون كالإخوان) ليقطفوا ثمرة نضال الجماهير.

صعود الإخوان إلى السلطة بفضل حركة جماهيرية واسعة لن يختلف كثيرا عن صعود أي قوة إصلاحية أخرى. فالإخوان، بسبب طبيعة قيادتهم، لن يوقفوا مسيرة الليبرالية الجديدة، ولن يبادروا بقطيعة من الإمبريالية، ولن يحاربوا إسرائيل.

لهذا السبب لن يمثل وصول الإخوان إلى كراسي الحكم نهاية القصة. تخيل الوضع الآتي: الإخوان في الحكم لأن حركة جماهيرية ديمقراطية أتت بهم إلى السلطة على أمل أن يحققوا آمالها في العدل والحرية؛ الحركة الجماهيرية ومنظماتها ستظل نشطة وفعالة حتى تنجح السلطة الجديدة في تفكيكها؛ والإخوان لن يقدموا للجماهير ما تصبو إليه، بل سيراوحون في أماكنهم في محاولة للبقاء في السلطة دون إغضاب الرأسماليين والإمبريالية.

هل هذا وضع استقرار لسلطة الإخوان؟ بالقطع لا. المعركة الطبقية لا تنتهي بعد وصول إحدى القوى السياسية إلى السلطة على أثر انتفاضة سياسية. الاشتراكي الثوري الروسي ليون تروتسكي كان يقول أن الثورات تحرق القادة السياسيين واحدا وراء الآخر. وهو على حق. فالثورة عملية وليست لحظة. في مرحلة ما ترى الجماهير في قوى إصلاحية أو وسطية الأمل في المستقبل. لكن تلك القوى تخون الأمل. ومن ثم تنفض من حولها الجماهير باحثة عن بديل أكثر جذرية. وهكذا.

فقط عندما لا تكون هناك قوى أكثر جذرية يؤدي الفراغ السياسي بالحركة الجماهيرية إلى طريق مسدود تستغله البرجوازية لتستعيد استقرار حكمها. في هذه الحالة سوف يجد الإخوان الفرصة للعب لعبة التوازنات: تقديم الوعود بالإصلاح؛ تأجيل التنفيذ لسبب أو آخر؛ ثم السعي لكبح الحركة الجماهيرية ولتفكيك المؤسسات الجماهيرية التي أفرزتها الانتفاضة.

في الأيام والشهور التالية لوصول قوة إصلاحية إلى الحكم بفضل انتفاضة تولد فرصة لأن تعيد الإصلاحية للبرجوازية الاستقرار. ولكن تولد أيضا فرصة لأن تعيد القوى الثورية بناء نفسها بعد أن تكون قد تعلمت من التجربة. فلو انغمست قوة جذرية حقيقية في معركة الشهور اللاحقة على المرحلة الأولى للانتفاضة، لكانت هناك فرصة أن تتحول الثورة السياسية إلى ثورة اجتماعية. وصول الإخوان للسلطة في غمار نضال جماهيري لا يؤدي بالضرورة إلى تصفية المعارضة، إلا إذا كانت المعارضة غير قادرة على تعليم الجماهير من تجربتها أن الإخوان ليسوا هم الحل.

أما إذا وصل الإخوان للسلطة عن طريق مؤامرات القصور وألاعيب الإمبريالية فسوف يختلف السيناريو. هذا البديل سيتحقق في الأغلب في إطار تسوية ديمقراطية تهدف إلى قطع الطريق على انفجار جماهيري وشيك. ديمقراطية كتلك، ديمقراطية من أعلى بدعم الإمبريالية، سيكون هدفها تعزيز سياسات الليبرالية الجديدة ومصالح الولايات المتحدة. واختيار الإسلاميين لتولي السلطة في ظلها ليس له تفسير إلا كونهم الحركة الوحيدة القادرة، بفضل جماهيريتها، على تلجيم الحركة الجماهيرية.

لكن المسار الذي يتمناه تحالف الرأسماليين والأمريكيين ليس حتميا. لا ننسى أن التنازل الديمقراطي للحكام والأمريكيين سببه عمق الأزمة المجتمعية. من هنا فإن أثره سوف يكون متناقضا. سوف يرى البعض في هذا الانتصار الكفاية، ومن ثم سيدعون إلى تصفية الحركة والاكتفاء بالمسار الانتخابي بصفته جوهر الديمقراطية. لكن البعض الآخر سيعتبر الانتصار بداية وليس نهاية. الكثيرون سيقرأون هذا التنازل على أنه دليل على أن التغيير ممكن. ومن ثم سوف تنفتح شهيتهم للمطالبة بكل حقوقهم. وهو ما سيؤدي إلى اتساع نطاق الحركة الجماهيرية. وهذا بالضبط ما سيكشف الإسلاميين. فالإخوان كإصلاحيين لن يقدموا إصلاحات تذكر: لن يعطوا الأرض لمن يفلحها؛ لن يؤمموا المصانع؛ ولن يدعموا المقاومة العراقية أو الفلسطينية.

التباعد ثم الصدام مع الجماهير إذن هو مآل سلطة الإخوان الممنوحة في إطار صفقة ديمقراطية من أعلى. هنا أيضا تولد فرصة للقوى الأكثر جذرية، ولليسار الثوري، أن يظهرا كبديل حقيقي. شرط هذا ليس تأييد الديكتاتورية وإثارة الفزع من وصول الإخوان إلى السلطة. ولكن انغماس اليسار المناضل في معارك الجماهير، وبروزه كنصير لها في كل مطالبها. أما التذبذب في النضال بحجة أن المكسب سيعود للإخوان، فنتيجته الحتمية هي تعظيم مكسب الإخوان وكل القوى الإصلاحية والوسطية.

Advertisements

التصنيفات : مصر, رأي, سياسة

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: