هكذا تكلم ميدان التحرير

مصطفى محيي

في الطريق لميدان التحرير، في اليوم التالي لخطاب الفنجري، بدا على سائق التاكسي الذي ركبت معه الحيرة، هل يبدأ حديثا عن الاعتصام والمتواجدين فيه ومطالبهم؟ أم يحجم؟، إلى أن حسم أمره وبادرني سائلا «هي الناس ده معتصمة ليه دلوقتي؟» وفي الدقائق التي فصلت بين سؤاله ووصولنا الميدان دار بيننا حديث عن التباطؤ في محاكمات رموز النظام وقتلة المتظاهرين، وهيكلة الداخلية، وموازنة الدولة التي لم تتغير، والمحاكمات العسكرية للمدنيين، وغيرها من القضايا التي يثيرها الاعتصام.

لحظة وصولنا للميدان، أو لأقرب نقطة يمكنه الوصول إليها، بدا عليه الاقتناع بعض الشيء بأسباب الاعتصام، ولكن بقي سؤاله المتكرر يشير إلى وجود خلل ما. فرغم أن مطالب الاعتصام قد أعلنت أكثر من مرة وتناولتها الصحف ووسائل الإعلام، إلا أن هناك ميلا للاعتقاد بأن المعتصمين بلا مطالب هذه المرة.

فما بين جمعة الثورة أولا في 8 يوليو وجمعة الإنذار الأخير 15 يوليو، اتخذ النظام عدة قرارات، توقع الكثيرون أن تثير حالة من النقاش داخل الميدان حول جدواها وهل هي كافية أم لا؟ وهل تمثل تغييرا حقيقيا أم مجرد مهدئات للخروج من الموقف؟ وعلى غير هذا التوقع بدا الميدان هادئا غير عابئا بهذه القرارات، وكأنها لا تعنيه، ولا تتماس بأي حال من الأحوال مع مطالبه.

عند سؤال محمد السواح، محام ثلاثيني من القاهرة، عن سبب مشاركته في الاعتصام قال «أنا هنا لأن شرعية المجلس العسكري باطلة، المجلس أخد شرعية حكمه من مبارك، اللي فوضه لحكم البلاد قبل ما يمشي، والناس وافقت لأنها مكانتش عايزة تدخل في مواجهة مع الجيش، وكانت عايزة الحال يمشي بعد 18 يوم من الاعتصام». وأضاف «كان المفروض نختار إحنا اللي يحكمنا في الفترة الانتقالية».

إتفق معه صبحي محمد، الحاصل على مؤهل متوسط ويدرس بمركز التعليم المفتوح، إذ يقول «إن طنطاوي أحد رجال مبارك، طوال 20 سنة وهو يعمل معه، ويحميه، ويوم موقعة الجمل الجيش لم يتدخل لحماية المتظاهرين المدنيين ولا حتى للفصل بين المتظاهرين والبلطجية، ويوم الخميس التالي للموقعة نزلت قيادات من الجيش لإقناع المعتصمين بالرحيل وإخلاء الميدان بدعوى أن مطالبهم قد تحققت، الجيش أبدا لم يكن مع الثورة ولم يحمها».

ذهبت منى نصار، صحفية عاطلة عن العمل في الوقت الحالي، إلى أبعد فتؤكد «أن المجلس العسكري غير متحمس لأي معالجة شاملة أو تطهير جذري للبلاد، فهو يتبنى منطق التغيير في أضيق حدود ممكنة وفقط في حالة الضغط الشديد، وهذا يختلف تماما عن مسار الثورة التي تطرح تغييرا شاملا».

وترى نصار «أن المجلس اتفق فقط مع الشعب في نقطة إزاحة جمال مبارك والإطاحة بمخطط التوريث، فالمؤسسة العسكرية كانت ترفض أن يصل للرئاسة مدني لا يدين بالولاء للجيش».

يعود محمد السواح للحديث مرة أخرى «المجلس لازم يمشي. الموازنة مثلا مختلفتش عن موازنة السنين اللي فاتت لأن المجلس زيه زي مبارك وبالتالي مفيش حاجة اتغيرت. المجلس لازم يمشي».

لا يملك السواح فكرة واضحة عن كيفية رحيل المجلس العسكري، لكنه يعتقد أن الاعتصام يجب أن يستمر وأن يختار حكومة ثورة «تخرج من الميدان وتمثله»، «مش هينصلح حال البلد إلا لما تمسكها حكومة ثورة».

يرى صبحي محمد أن الموقف متعادل في اللحظة الحالية، ولكنه يراهن على الأخطاء: «الأخطاء والحماقات بتقلب المواقف»، يقصد أخطاء وحماقات المجلس العسكري بالطبع.

محمد إبراهيم، فني إلكترونيات من الإسكندرية ومقيم بالقاهرة، يرى الأمور بطريقة مختلفة، فدماء الشهداء هي سبب مشاركته في الاعتصام كما أخبرنا، «يوميا أطلع من شغلي بعد المغرب على هنا»، «اللي إتسرق إتسرق واللي راح راح.. لكن دم الشهداء غالي ولازم نرجع حقهم».

يربط محمد إبراهيم كل شيء بدماء الشهداء، فهو يرى قضية تطهير الداخلية منطلقا أيضا من القصاص للشهداء «إحنا إتهانا على إيدين الناس دول، واتقتل ولادنا على إيديهم، ولازم نطهر البلد منهم».

يشك إبراهيم أيضا في أن يسمح المجلس العسكري بمحاكمة مبارك، ويرى ألا شيء تغير تحت حكم المجلس، «الجيش ما لوش في السياسة، يبقي يسيبها… الناس اللي في الميدان مستعدة تموت لأنها أصلا عايشة ميتة بسبب غلاء الأسعار اللي إحنا فيه».

هكذا تغيب المطالب في حديث المعتصمين. تراهم لا يهتمون بها كثيرا. يرونها مهمة بالطبع، ولكن يشكون في استجابة المجلس العسكري لها بشكل حقيقي، فضلا عن رؤيتهم التي تتجاوز تلك المطالب لتصل إلى معارضة وجود المجلس، أو على أقل تقدير لأسلوبه في إدارة المرحلة الانتقالية.

لكن المشكلة أن هؤلاء ليست لديهم رؤية واضحة لكيفية التخلص من حكم المجلس العسكري وطرق تشكيل بدائل له.

وهكذا  يمضي المعتصمون في اعتصامهم مشكلين معارضة حقيقية، هي الأكثر اتساعا وراديكالية، لحكم المجلس العسكري على مدار الشهور الستة التي تلت تنحي مبارك، معارضة تنذر باتساع قاعدتها في الفترة المقبلة.

Advertisements

التصنيفات : مصر, تحقيق, سياسة

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: