درس تشيلي: التصالح مع النظام القديم غير ممكن

نقلا عن مجلة العامل الاشتراكي/ ترجمة عزة خليل:

التاريخ مليء بالحركات التي تخلق نمطًا جديدا للمجتمع من أسفل. وفيما يلي شهادة ماريو نايين، أحد الناشطين التشيليين، حول مشاهداته أثناء صعود السلطة الشعبية في سنوات الثورة في تشيلي.

عاشت تشيلي فترة ثورية مابين 1970-1973. إذ بدأت سيطرة العمال على المصانع، كما استولى الفلاحون على الأرض وتركت حركة المضطهدين العريضة بصمتها في تشكيل المجتمع الجديد.

وقُمعت الثورة بالانقلاب العسكري في 1973. ولكن في عمرها القصير، نشأ نمط مختلف من المجتمع – إنه المجتمع الذي يقوم على الديمقراطية الشعبية.

كان ماريو شابا في ذلك الوقت. ويتذكر كيف وُلدت المنظمات الجديدة من رحم النضال من أجل التغيير، وآثار الديمقراطية الشعبية في تغيير حياة الناس.

“لم نعد نحارب الأغنياء من أجل زيادة الأجور فقط. كنا نعلم أن حقنا لا يقتصر على مجرد احتلال مصانعهم، ولكن السيطرة عليها، وجعلها تنتج، أي إدارة العمال لمواقع العمل بأنفسهم”.

بهذه اللغة الثورية، كتبت مارياس فاريا جوديا في جريدة تشيلي هوي في يناير 1973. وكانت واحدة من أبطال التطور المذهل للنضال الطبقي الذي اجتاح تشيلي في الفترة من 1970  إلى 1973.

وهذه الراديكالية التي أصبحت سمة للعمال والطلاب والفلاحين وسكان العشوائيات، مكنتهم في سياق نضالهم العنيف من تشكيل منظمة مناضلة عملاقة تتصدى للأغنياء وأصحاب السلطة في تشيلي.

وكانت الحركة تتنامى عبر السنين، ولكنها بلغت ذروتها عندما شكل القطاع العمالي صاحب أرقى وعي سياسي “الكاردونات الصناعية”، وهي لجان تنسيقية تربط بين العمال في المصانع ومواقع العمل المختلفة.

وضعت هذه الكردونات الأسس لديمقراطية العمال. ولكن الحركة اجتاحت كل الفئات المضطهدة. ففي الريف، بدأت اللجان الفلاحية الاستيلاء على الأرض. وفي المدن، رسم الشباب المتمردون على الجدران، معلنون ميلاد فجر عالم جديد. وكانت رسوماتهم تتخذ في العادة شكل فرسان سفر الرؤيا الأربعة.

ومست هذه الحركة أكثر الناس اضطهادًا في مجتمعنا، هنود المابوتشي الأصليين. فبدأ المابوتشي، الذين عانوا قرونًا من القهر والعنصرية، يطالبون بحقوقهم الاجتماعية الثقافية، كبشر متميزين داخل المجتمع التشيلي.

السكان الأصليين

كان التشيليين ينظرون إليهم في الماضي بتعالي. والآن، حل محل ذلك فخر متنام بالشعوب الأصلية. غاص المطرب المحبوب فيكتور جارا في ثقافتهم. وبدأ المضطهدون عبر أغانيه الشعبية القوية يحكون قصة نضالهم الطويل من أجل الحرية.

وفي 1970، انتخبت حكومة الوحدة الشعبية بقيادة الليندي. وتشكلت حكومة الليندي من تحالف يضم الأحزاب الاشتراكية والشيوعية، وجاءت بسياسات التأميم، التي تحدت رجال الأعمال.

واستخدمت الطبقة الحاكمة التشيلية، التي تدعمها الإمبريالية الأمريكية، كل ما لديها من أسلحة لقطع الطريق على إصلاحاته- من الإرهاب إلى اغتيال كبار الجنرالات التابعين لحكومته.

وسعى الليندي إلى الوصول إلى حل وسط مع هذه القوى الرجعية، بينما كان يحاول في الوقت نفسه إحباط الطموحات المتنامية للحركة التي أتت به إلى السلطة. وقد أدى هذا الحل الوسط في النهاية إلى الإطاحة به، وقتله على يد انقلاب بقيادة أوجستو بينوشيه.

ولكن لفترة ما كان المجتمع الجديد ينشأ في بلادنا. ووصلت الحركة من أسفل إلى مستويات جديدة، إذ قامت في البداية بالحشد من أجل الدفاع عن الحكومة، ثم تطورت إلى منظمات شرعت في إدارة المجتمع.

بدأ التحول في اكتوبر 1972، عندما نظم أصحاب المشروعات، بمن فيهم أصحاب اللوريات، “إضرابا” في محاولة لإسقاط الحكومة عن طريق خنق الاقتصاد.

جمع أصحاب المشروعات أساطيل ضخمة من اللوريات في تقاطعات الشوارع الرئيسية التي تربط البلاد بعضها ببعض حتى يستطيعون إحداث أكبر قدر ممكن من الفوضى والتعويق.

 وبينما تنتشر أخبار ما قام به أصحاب المشروعات، حضرت اجتماعًا مهمًا في إحدى الأحياء العشوائية التي تربيت فيها. ونظمنا جمعية عامة في الحي، وشكلنا لجنة لمصادرة المواد الغذائية من محلات السوبرماركت. وشكلنا أيضا لجنة للدفاع الذاتي ولجنة للتعليم والصحة. وأطلق على تلك المنظمات “قيادات شعبية.”

واستولى العمال على اللوريات، واقتحموا محلات السوبرماركت التي أغلقها أصحاب المشروعات، وطردوا المالكين الذين حاولوا وقف الإنتاج. وسيطروا على المصانع والمشروعات الأخرى، وصادروا الأصول وأداروها وفقا لمبادئ ديمقراطية العمال الجماعية.

وكان ذلك أحد أشكال التعبئة الهائلة التي تمت داخل طبقتنا. حيث اندفع العمال والطلاب وسكان العشوائيات إلى العمل التطوعي واسع النطاق في توزيع الغذاء على شعبنا، والحفاظ على أبواب المستشفيات والمدارس والخدمات الأخرى مفتوحة. وكانت الكردونات قد تشكلت بالفعل عندما نفذ أصحاب المشورعات إضرابهم، ولكنهم في هذه اللحظة، عملوا على تحسين تنظيمهم.

الجماعية

ونوقشت أمور الإنتاج وتوزيع السلع بشكل جماعي. حتى أنهم رتبوا كيفية الحفاظ على الخامات الأولية بعد ان أداروا المصانع.

وجمعت الكرودونات الصناعية الطبقة العاملة ونظمتها بصرف النظر عن انتماءات العمال السياسية. وكانت هذه المنظمات الثورية نابعة عن الضرورة الملحة لخلق رد فعل نضالي وفعال على الهجوم البرجوازي. وهكذا فشل الليندي في مواجهة رد الفعل المتنام.

وعبرت هذه السنوات الثورية عن أروع لحظات طبقتنا. لقد هزم العمال إضراب أصحاب المشروعات بأن حافظوا على إدارة الاقتصاد. وخلال تلك العملية، تحدوا حياة الاغتراب المظلمة التي عاشوها في ظل الرأسمالية. وبدأ الناس يدركون أنهم يتحكمون في مقدراتهم. وتمكننا من حفظ النظام في الأحياء، لأن كافة الأمور كانت تناقش بصورة ديمقراطية.

وبدأ وعيا جديدا في الظهور. وتملكنا إحساس بالحرية، وشعرنا إننا نؤكد انتماءنا للإنسانية. أصبحنا نجني ثمار عملنا، دون أصحاب المشروعات الذين كانوا يسرقوننا.

ومنذ تلك اللحظة، بدأنا ننظر إلى بعضنا بعضا كأخوة وأخوات، وليس كأفراد مبعثرين ومغتربين. وخلال سنوات العصيان القليلة شرعنا في رحلة معقدة من الوعي الطبقي، إذ كنا نشكل جماعيا مسار التحرر.

ولكن أخيرا، وتحت جنح الظلام، انقض الإرهاب في 11 سبتمبر 1973. وأعلن الليندي في الإذاعة عن وجود انتفاضة مسلحة. وكانت تلك رسالته الأخيرة. ووصلت الدبابات وأطفأت شعلة الحرية للحظة.

وفرضت حالة حصار على شعبنا استمرت لسبعة عشر عاما. وسجن عدد لا يحصى من الناس، وعانوا من أشد أشكال التعذيب الوحشي ماديًا ومعنويًا في معسكرات الاعتقال في أرجاء البلاد. وقد بقيت عامين ونصف العام في أحدها. و اختفى أكثر من 3000 شخص.

وإذا كان الانقلاب قد سحق حركة التغيير، إلا إنه لم يستطع محو ذكرى تلك الفترة، التي زرعنا فيها بذور سلطة العمال. وبدأ ظهور الحركة في أنحاء أمريكا اللاتينية، بينما صدر حكم التاريخ على طغيان بينوشيه.

يمر النظام الرأسمالي العالمي اليوم بواحدة من أعمق أزماته البنيوية منذ الثلاثينيات. وما يمكن أن نستخلصه من تجربة تشيلي هو أننا لا يمكننا التصالح مع النظام القديم.

بدأنا في تلك السنوات الثورية، التحكم في مصانعنا، وأحيائنا وريفنا. أثبتنا أن البسطاء قادرون على التحكم في حياتهم، وعلى النضال من أجل تغيير العالم أيضا.

تتبع تاريخي لتطور الأحداث في تشيلي

69- 1970: اجتاحت البلاد موجة إضرابات. وقادت لجان الفلاحين عملية احتلال الأراضي.

1970: انتخبت حكومة الوحدة الشعبية بقيادة سلفادور الليندي.

1971: أمم الليندي مناجم النحاس. وفرضت الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات مقاطعة اقتصادية على البلاد.

أكتوبر1972: حاول أصحاب المشروعات إسقاط الحكومة.

يونيو 1973: أفشل جنود موالين لألليندي انقلابًا. حشد العمال أنفسهم للدفاع عن الحكومة، ولكن قيل لهم أن يعودوا إلى منازلهم.

يوليو 1973: بدأ أصحاب المشروعات “إضرابًا” ثانيًا. وتصاعدت حركة العمال.

أغسطس 1973: دعا الليندي الجنرال بينوشية إلى مجلس الوزراء.

11 سبتمبر 1973: رتب بينوشية انقلابا. ومات الليندي اثناء حصار الجيش للقصر الرئاسي.

1973- 1990: حكم بينوشية تشيلي بقبضة حديدية. وصار للبلاد تجربة واسعة في الليبرالية الجديدة.

1990: أجبرت الحركة الشعبية بينوشية على الدعوة إلى الانتخابات وازيح عن السلطة.

ديسمبر 2006: مات بينوشية بعد فراره من المحاكمة على ما اقترفه من انتهاكات لحقوق الإنسان.

Advertisements

الوسوم:

التصنيفات : رأي, عالم

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: