حكومتا مصر واليونان إيد واحدة… ضد الشعب

غادة طنطاوي:

يبدو أن أوجه الشبه بين الحكومتين المصرية واليونانية أكبر مما كنا نظن. فكلتا الحكومتين أقرتا خطتي تقشف واسعتي النطاق مضمونهما هو إفقار الفقراء وإثراء الأثرياء، وذلك في مواجهة حركات جماهيرية عارمة تطالب بالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وكأنما لسان حال الحكام يقول للشعوب: إن انتعشت الأوضاع فلن تستفيدوا شيئا، وإن ساءت الأحوال فستدفعون، أنتم وحدكم، الثمن.

تقشف يوناني

في اليونان، وعلى غرار ما حدث في مثل هذا الوقت من العام الماضي، سادت احتجاجات اجتماعية واسعة ضد خطة التقشف الجديدة التي تؤدي إلى ارتفاع نسبة البطالة وتخفيض الأجور. وتسعى الخطة، التي يضغط من أجل تحقيقها كل من صندوق النقد وحكومات الاتحاد الأوروبي، إلى تخفيض عجز الإنفاق، حتى ولو على حساب المصالح الأساسية للفئات الشعبية وجماهير العمال.

قد اتحد يمين الوسط والاشتراكيون الديمقراطيون وصوتوا بالموافقة على الخطة، بالرغم من رفض أكثر من 70% من الشعب لها، وبالرغم من الاحتجاجات الواسعة في مواجهتها، حيث نظمت النقابات إضرابًا عامًا امتد 48 ساعة، قبيل التصويت، واندلعت مظاهرات حاشدة في مختلف أنحاء البلاد، وهو ما يشير إلى تناقضات النظام الديمقراطي العجيبة، حيث ترى غالبية الشعب شيئا، بينما يصر حكامه “المنتخبون” على تنفيذ شيئا مناقضا!!

بداية الأزمة

باعتبارها واحدة من الاقتصادات الأضعف أوروبا، مثلها مثل البرتغال وأيرلندا وإسبانيا، كانت اليونان من أكثر الدول تأثرًا بالأزمة التي هزت النظام الرأسمالي قبل نحو ثلاثة أعوام، ومازال عاجزًا عن التعافي منها.

في منتصف العالم الماضي، واجهت اليونان شبح عدم القدرة على سداد الديون، وهو ما يعني الإفلاس والخروج من منطقة اليورو. فقد بلغت إجمالي الدين الخارجي على هذا البلد 340 مليار يورو. فطرح صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي خطة للإنقاذ حجمها 110 مليار يورو، على افتراض أن تؤدي إلى نجاح اليونان في تسديد ديونها في المستقبل.

وبناء على هذه الخطة، جرى التخلص من مئات الآلاف من عمال القطاع العام، واتُخذت إجراءات واسعة النطاق للحد من الإنفاق. لكن ذلك بدلاً من أن يؤدي إلى تحسن الوضع الاقتصادي والقدرة على السداد، تزايدت الأوضاع سوءًا بسبب انخفاض حصيلة الضرائب الناتج عن تضاعف نسبة البطالة (لتصبح 16%). ومن ثم، استمر العجز وواجهت اليونان مجددًا خطر الإفلاس.

المزيد من التقشف

وهنا طرح الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد خطة إنقاذ جديدة تحصل اليونان بمتقضاها على قرض سريع قيمته 12 مليار يورو من أجل سداد ديونها، في مقابل فصل 150 ألف موظف حكومي، وفرض ضرائب على الفئة الدنيا من أصحاب الدخول، ممن يتقاضون أقل من 8000 يورو سنويًا، وكانوا معفيين من قبل من الضرائب، وخصخصة أصول مملوكة للدولة، وتخفيض المرتبات والمعاشات. وقبل أيام من التصويت بالموافقة على الخطة، حذر الاتحاد الأوروبي من أنه لا توجد خطة ب، فإما موافقة اليونان على التقشف، أو تعرضها للإفلاس.

لكن إفلاس اليونان، وخروجها من منطقة اليورو، لن يقتصر أثره على هذا البلد وحده، بل سوف يؤدي إلى نتائج كارثية على كبريات البنوك الأوروبية التي تُعد من أهم دائني اليونان، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى إلحاق أضرار جسيمة بالنظام المصرفي الأوروبي برمته. ومن هنا كان الضغط القوى من قبل الاتحاد الأوروبي، وخاصة ألمانيا من أجل قبول اليونان خطة الإنقاذ.

مصر واليونان: من يدفع الثمن؟

ويتساءل الناس العاديون لماذا يتعين عليهم دفع ثمن سوء إدارة الاقتصاد، والتهرب الضريبي من جانب رجال الأعمال والطبقات العليا. ويتساءل هؤلاء لماذا تزداد معيشتهم سوءًا بالرغم من أنهم عملوا بجد والتزموا بدفع الضرائب.

لكن منطق تحميل الفقراء المسئولية عن الأزمات الاقتصادية لا يقتصر على اليونان، بل أنه القانون السائد في العالم، والذي بدا شديد الوضوح مع الأزمة الرأسمالية الأخيرة، حيث هُرعت الحكومات لضخ أموال دافعي الضرائب في عملية إنقاذ واسعة لكبريات الشركات والبنوك. وكانت النتيجة هي إفلات الأغنياء من الأزمة، وتحميل آثارها كاملة للفقراء.

وإذا نظرنا إلى الجدل الدائر حاليًا في مصر حول الموازنة، نجد أنه يسير في الاتجاه نفسه. فقد قررت الحكومة البعد عن اتخاذ أي إجراءات تمثل عبئًا على الأغنياء، فقامت بتجميد الضريبة العقارية إلى أجل غير مسمى، بما يعني أن أصحاب الفيلات والقصور والشاليهات لن يدفعوا شيئًا. ثم تراجعت عن فرض ضريبة على الأرباح التجارية والصناعية قدرها 5%، بعدما اعترض رجال الأعمال. ولم تلتفت الحكومة إلى المطالبات بفرض ضريبة على الثروة، يتحملها مرة واحدة كل من تزيد ثروته حد معين ـ قدره البعض بـ 50 مليون. ولم تلق الدعاوى لفرض ضرائب تصاعدية، أو المطالب بوقف دعم الصادرات إلى الصناعات التي لا تستخدم عمالة كبيرة، أي اهتمام. ومن ثم، فقد جاءت موازنة ما بعد الثورة لا تختلف كثيرًا عن ما قبلها من حيث الإنفاق على الصحة والتعليم والخدمات، فيما اقتصر الحد الأدنى للأجور على 700 جنيه. وحينما قررت الحكومة تقليص العجز، كان من بين قراراتها التراجع عن رفع الحد الأدنى للمعاشات من 165 جنيهًا إلى 300 جنيه.

Advertisements

الوسوم:

التصنيفات : عالم

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: