حتى لا ننسى: حرافيش الثورة في جمعة الغضب

فاطمة السكوت

5 أشهر مرت على جمعة الغضب 28 يناير الماضي، وما تركز عليه وسائل الإعلام هو وقائع حرق أقسام الشرطة وهروب السجناء، وما جرى من نهب وسرقة للمحلات والمتاجر. فتارة يصف العيسوي، وزير الداخلية، من استشهدوا أمام مراكز الشرطة يومها بالبلطجية، وتارة أخرى يطالب بعدم محاكمة الضباط والأفراد المتهمين بقتل المتظاهرين في هذا اليوم بزعم أنهم كانوا يدافعون عن أنفسهم.

 تغيب جمعة الغضب يوما بعد يوم لدى الكثيرين، لتصبح ذكرى محاطة بكثير من الغيوم والشك، دون إجابات على أسئلة مازالت مطروحة، ماذا حدث يوم جمعة الغضب؟ كيف تحولت مظاهرات المئات والآلاف القليلة إلى ثورة عارمة واجه فيها مئات الآلاف جهاز الشرطة القمعي وأسقطوه في ساعات قليلة؟ كيف فقدت الدولة أداتها القمعية الأولى التي لولا سقوطها يوم جمعة الغضب لما أكملت الثورة طريقها؟

 وداعا قسم الخليفة

 يقول حسن، بائع خضار بحي السيدة عائشة “أنا مسمعتش حاجة عن اللي حصل قبل يوم الجمعة، لكن اليوم ده خلانا نعرف الحكومة على حقيقتها، إحنا كنا عارفينها بس مكناش متخيلين إنها بالشكل ده”. ويضيف “أنا يوم الجمعة قررت أصلى وبعدها أنزل ميدان التحرير أشوف إيه اللي بيحصل، مش نازل أتظاهر لكن رايح أشوف (الخونة) اللي بيتكلموا عليهم، كنا بنسمع طول الأيام اللي قبلها عن إيرانيين قاعدين في التحرير وعملاء وأمريكان وبلطجية، قلت انزل أشوف”. “روحت جامع السيدة عائشة عشان أصلي، لاقيت الأمن المركزي محاوط الميدان من كل ناحية، شوية ولاقينا مظاهرة في الميدان، شباب نضيف باين عليهم ولاد ناس، وبيهتفوا سلمية.. سلمية، الشعب يريد إسقاط النظام، وقفنا نتفرج”، يكمل حسن “مفيش ثواني ولاقينا الأمن بيضرب قنابل مسيلة للدموع من فوق الكوبري، تعاطفنا مع الشباب وهما بيهتفوا سلمية سلمية، ودول بيضربوهم بالقنابل، حاول الشباب يتحركوا ناحية التحرير، الموضوع كبر، بدأ ضرب الرصاص المطاطي، ولاقينا الشباب راجعين تانيين مصابين ومجروحين”.

عند هذه النقطة يلتقط فارس، المسؤول عن تنظيم موقف الميكروباصات في الميدان، خيط الحديث “إحنا واقفين وشايفين الشباب بيهتفوا سلمية.. سلمية، طيب ليه العنف؟! لما لاقينا الشباب راجعين وحالتهم صعبة من الضرب طبعا الناس تعاطفت معاهم، فجأة الواحد أصبح 1000 والألف كل ما يتعرض للضرب يزيد، العنف بدأ يزيد من الأمن.. من قنابل مسيلة للدموع للرصاص المطاطي.. للرصاص الحي”.

يكمل فارس “متعرفيش الناس بدأت تيجي منين، الناس خرجت من كل حته، من كل شارع وحارة، وبدأت تضرب الأمن والضباط وأمناء الشرطة.. ده الناس احتجزت مصطفى النمس مأمور قسم الخليفة والنائب بتاعه طارق البدوي في قهوة (عبده صرصار) طول اليوم، أنتي أصلك متعرفيش قسم الخليفة”. يحكي فارس عن قسم الخليفة: “القسم كان عامل قائمة إتاوات بيستفيد منها كل اللي شغالين في القسم، من أمين الشرطة للمأمور. أمين الشرطة كان يبدأ الشغل في القسم (كحيان) وبعد شوية تلاقيه راكب عربيه، يبقي منين؟” يجيب على سؤاله بنفسه “من فلوس الناس الغلابة.. القسم كان عامل تسعيرة، اللي بيمسح جزم القسم ياخد منه جنيه ونص في اليوم، بياع العرقسوس 2 جنيه، عربة الخضار 5 جنيه، عربة الفاكهة 10 جنيه، محل الكشري بقى بياكله منه ببلاش، والمحلات اللي عامل مخالفة بروز خارج المحل بياخدوا منه إتاوة على حسب نشاط المحل، حتى الأكشاك مبتسلمش منهم، ده غير الميكروباصات اللي بيركبوها بالعافية واللي يرفض ميشوفش العربية تاني”.

 يعود فارس للحديث عن جمعة الغضب “الناس طلعت على قسم الخليفة، بعد ما هرب الأمن من ميدان السيدة عائشة، حاصرته، اللي جمعهم كلهم كراهية القسم باللي فيه، وبدأوا يحدفوه بالطوب والمولوتوف، لغاية لما اتحرق، بعد ما هرب منه الأمناء والضباط”. يكمل فارس جملته الأخيرة قبل أن يتركني ليعود لعمله: “عارفه، الناس مكانتش بتفكر تحرق القسم، بس العنف والقسوة اللي شوفناهم يومها من الأمن، والذل والإفتراء اللي شوفناهم من القسم طول السنين اللي فاتت هي اللي خلتنا نعمل كده.. وأنا راضي عن ده”.

 تركت السيدة عائشة وقسم الخليفة، وتوجهت لدار السلام، وهناك إلتقيت محمد رضوان، موظف بحي عابدين، قال رضوان “منذ بدأت أحداث الثورة ومعظم شباب المنطقة مشاركين بقوة وحماس، الدعوة لمست مشاكل كتير بيعانوا منها.. قبل يوم 25 يناير كنت أركب المترو كل يوم ألاقي الشباب بيتناقشوا مع الناس في المترو وبيدعوهم للمشاركة يوم 25 يناير”. وأضاف رضوان: “شباب المنطقة كانوا في التحرير وبالتالي كان صعب على الأهل إنهم يصدقوا اللي كان بيقوله الإعلام عنهم، من كونهم خونه وبلطجية”، ويكمل “قطع الاتصالات جنن الناس، خلاهم يقلقوا على اللي بيحصل لأولادهم وخاصة مع ورود أخبار عن وجود جرحى وقتلى في المظاهرات”.

 قال رضوان أن الأهالي بدأ يرد إليها أنباء عن استشهاد أبنائهم في المظاهرات، فانفجر الغضب بدار السلام. “خرج المواطنين للانتقام من قسم دار السلام بعد استشهاد أبنائهم، وإطلاق البلطجية على شارع أبو طالب التجاري اللي إتساوى بالأرض من السرقة والنهب، كل الغضب المكتوم خرج في اللحظة ده ضد القسم، بسبب مقتل أبناء المنطقة وكمان لتاريخ القسم في ممارسة العنف والظلم والإذلال ضد المواطنين، زي باقي أقسام الشرطة، القسم قابل الناس بالقناصة والرصاص الحي ووقع شهداء كتير.. وفي النهاية إتحرق القسم”.

 الثورة في مواجهة الإعلام الحكومي والبلطجية

 السيناريو في المعادي (الشعبية) كان مختلفا، تقول نبيلة أحمد، خريجة كلية الحقوق “لم أسمع عن دعوة 25 يناير، ولا أي من المقربين مني، سواء أقاربي أو أصدقائي، وبعدما بدأت الأحداث لعب الإعلام الحكومي دور في فصل المواطنين عما كان يحدث في ميدان التحرير والمحافظات الأخرى، وصور المعتصمين على أنهم خونة وعملاء وأصحاب أجندات، وكل هذه المسميات الغريبة التي ظلوا يرددوها على مسامعنا طول الوقت إلى أن اكتشفنا زيفها”. وتضيف: “استمر الوضع هادئ لغاية يوم الجمعة 28 يناير، اللي حصل يومها لا يمكن وصفه إلا بإنه عمل إجرامي.. يومها خرج الناس من المسجد بعد الصلاة سمعوا إشاعة بإن فيه بلطجية جايين من عند دار السلام، من ناحية فايدة كامل وشارع الجمهورية، وإنهم وصلوا شارع 77 في المعادي، الناس بدأت تجري في الشوارع عايزة توصل بيوتها تطمن على أولادها، إتقابل البلطجية مع المواطنين وحصل اشتباكات بينهم، البلطجية كان معاهم أسلحة نارية وبيضاء، الناس بدأ تحاول تخرجاه من الشوارع، بدأوا البلطجية يسحبوا الناس ناحية القسم، هناك القناصة والأمن فتحوا النار مباشرة على الناس، بدون أي سابق إنذار، المحصلة كانت 30 شهيد ومئات المصابين، القسم وراه بيت السفير الإسرائيلي، والشرطة زي ما أنتي عارفة بتحميهم هم مش بتحمينا إحنا، عشان كده فتحوا علينا النار”. تكمل نبيلة “الضرب فضل مستمر على البيوت والناس لحد يوم السبت 29 يناير، لمنع الناس من الخروج من بيوتهم.. أقل حاجة ممكن تحصل هي إعدام العادلي”. وتضيف “شكل شباب المنطقة لجانا شعبية بعد اختفاء الشرطة لحماية المنطقة من البلطجية، وفضلت المعادي في حالة رعب وفزع من اللي عمله النظام فيها، وحزن على ولادها اللي ماتوا، صحيح مفيش ناس كتير نزلت التحرير، لكن كانت الاس مأيده مطالب المتظاهرين بعد اللي عمله في أولادهم”. وقالت نبيلة إن أهالي المنطقة يؤكدون أن أعضاء بمجلس الشعب عن دائرة المعادي إستأجروا البلطجية لضرب المتظاهرين في ميدان التحرير وسحلهم يوم موقعة الجمل.

 سيناريو استخدام البلطجية لإرهاب المواطنين ومنعهم من المشاركة في الثورة تكرر في الشرابية أيضا، يحكي شريف الزهار، فني تبريد، عن سيارة ميكروباص توقفت فوق كوبري غمرة وضرب ركابها النار على مساكن الحي بشكل عشوائي، والشيء نفسه حدث بعزبة أبو حشيش المجاورة لنا. أكملت هند، موظفة وتقطن بالشرابية “بصراحة القسم هنا من أسوء الأقسام في مصر، متخصص في تلفيق الأقسام وفرض الإتاوات على المحلات،  المجرمين هما اللي بيتعاملوا كويس في القسم، عشان بيستفيد بنسبة من الممنوعات اللي بيبعوها، لكن المواطن فبيلاقي عذاب في كل مرة يدخل القسم”. يعود الزهار للحديث مرة أخرى “إنشغلنا في البداية بعمل لجان شعبية نحمي بيها المنطقة، لكن أول ما فوقنا وعرفنا حقيقة اللي عمله فينا النظام، خرج شباب كتير من المنطقة عشان يشارك في اعتصام التحرير، بقت فيه مجموعة بتحمي البيوت ومجموعة بتروح الاعتصام”.

 اختفى النظام فظهرت اللجان الشعبية

 لم تختلف كثيرا الروايات في إمبابة والبساتين وباقي مناطق القاهرة عما حدث في دار السلام والسيدة عائشة والشرابية، شكلت معظم هذه الأحياء لجانا شعبية عقب احتراق أقسام الشرطة وإطلاق البلطجية، ورغم ان هذه اللجان ركزت بالأساس على حماية المنشآت والسكان، إلا أن بعضها كان مشاركا في الثورة. يؤكد محمد، صاحب محل أحذية في بولاق الدكرور، أنه شارك يوم 25 يناير في المظاهرة بجامعة الدول العربية وتحرك معها للتحرير، وأنه وآخرون بذلوا جهدا مع المواطنين لإقناعهم وتشجيعهم على المشاركة.” وبعد جمعة الغضب شكلنا لجانا شعبية بالمنطقة لحماية المنشآت والأرواح، وكان هناك من بدأ يتعاطف مع مبارك وخاصة بعد خطابه الثاني، لكن ما بين خطاب مبارك وموقعة الجمل رجع تاني الغضب، وخرجنا تاني، ونظمنا نفسنا بعد كده وطلعنا حاصرنا ماسبيرو وقصر العروبة”. الشلل الذي أصاب جهاز الداخلية نتيجة الهجمات التي تعرض لها دفع المواطنين إلى اختبار قدرتهم في تنظيم أنفسها، في لجان شعبية، حتى لو توقف بعضها عند مهمة حماية المنشآت، اختفاء الشرطة بحضورها الثقيل فتح مساحة من حرية التحرك والإبداع والتنظيم، لابد أنها ستنعكس على حركتهم فيما بعد.

 حرافيش الثورة

 على مدار 30 عاما لم يجن المواطنون شيئا من ذلك النظام سوى القمع، لم يعرفوا سوى عصاه الغليظة، أقسام شرطته التي تحولت لسلخانات ومراكز لتجميع الجباية ممن لا يملكون أصلا قوت يومهم، فكان طبيعيا أن يخرج هؤلاء أول ما يخرجون لمواجهة الشرطة، ولو بقيت لما استمرت الثورة.واجه النظام في ذلك اليوم ما لا قبل له بمواجهته، ذهب يومها إلى أقصى ما يستطيع الوصول إليه من عنف وقسوة عسى أن ينجح في ترويض الثورة ولكنه لم ينجح، فجر العنف عنفا مضادا، دفع آلافا أخرين للمشاركة في الثورة، وجهوا ضربات موجعة للنظام تركته يترنح حتى يوم رحيل مبارك.سيبقى أمثال حسن بائع الخضار في السيدة عائشة وفارس مشرف موقف الميكروباصات، ومحمد رضوان الموظف بحي عابدين، وعمال وأهالي السويس، وسكان أحياء كرموز وكوم الدكة بالإسكندرية، وأهالي إمبابة والعمرانية وغيرها من الأماكن التي واجه فيها النظام مقاومة عنيفة، سيبقى هؤلاء حرافيش الثورة وحواريوها، سيظلوا هم مفتاح اللغز لما حدث يوم جمعة الغضب. عندما امتلك الحرافيش الشارع بعدما اختفى منه النظام.

Advertisements

الوسوم:

التصنيفات : مصر, سياسة

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

One Comment في “حتى لا ننسى: حرافيش الثورة في جمعة الغضب”

  1. 03/07/2011 في 11:17 م #

    بعد التحية ..
    تم اضافة مدونتكم الى ـ مدونون بلا قيود ـ
    وسوف ننشر مواجز وروابط لكل تدويناتكم خلال نصف ساعة من نشركم لها
    لمزيد من التفاصيل http://modawenon.tumblr.com/icq
    ولكم فائق الحرية والاحترام
    .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: