ديمقراطية الشارع وديمقراطية الصندوق

غادة طنطاوي

خلال الأسابيع الماضية، حظي الخلاف حول “الدستور أم الانتخابات أولاً” بمساحة كبيرة على الساحة السياسية المصرية. ويُعبر هذا الخلاف عن نفسه في صورة استقطاب إسلامي/ علماني. فالتيار الإسلامي بمختلف فصائله يتمسك بإجراء انتخابات برلمانية، يتلوها اختيار البرلمان الجديد لجمعية تأسيسية يناط بها وضع دستور جديد، استنادًا إلى ما وافقت عليه الأغلبية في الاستفتاء الذي أُجري في مارس الماضي. وعلى الجانب الآخر، نجد القوى السياسية الأخرى تطرح صيغة “الدستور أولاً”. وبينما يطالب قسم من هؤلاء انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستورًا جديدًا، نرى أن طرح آخرين لهذا البديل يتسم بدرجة من الغموض حول كيفية وضع الدستور. وفي غضون ذلك، تدور وراء الكواليس ـ بمعزل عن الشعب الذي قام بالثورة ودفع الثمن من أجل نجاحها في إسقاط نظام الديكتاتور ـ مفاوضات بين أقطاب “النخبة” لوضع ترتيبات المرحلة المقبلة. فنسمع حديثًا عن “وثيقة فوق دستورية”، وعن مفاوضات بين الإخوان والقوى السياسية الأخرى للتوصل إلى حل وسط لنزاع الدستور أم الانتخابات، فيما نرى تحالفات لاقتسام كعكة الحكم بين قوى يجمعها في الأصل عداء مستحكم.

أية ديمقراطية؟

وإذا تأملنا خلاف “الدستور أم الانتخابات أولاً” فسنجد أن جوهره لا يتعلق بالديمقراطية، بقدر ما يتعلق بالمصالح. فالتيار الديني يدرك أنه الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا في الوقت الراهن، إضافة إلى كونه الأكثر قربًا إلى المجلس العسكري الحاكم. ومن ثم، فإن فوزه بأغلبية كبيرة في أي انتخابات قريبة شبه مؤكد، وهنا لا تجب إضاعة هذه الفرصة، بعدما أصبح الوصول إلى الحكم قاب قوسين أو أدنى. ويستخدم هذا التيار دعاوى ديمقراطية في دفاعه عن التمسك بالانتخابات أولاً، استنادًا إلى أن الشعب قال كلمته، ووافق على التعديلات الدستورية بأغلبية ساحقة. لكنه يتجاهل العديد من الحقائق التي تؤكد أن المسألة لا علاقة لها بالديمقراطية. ففي البداية، كان التضليل في الدعاية للتصويت بـ “نعم” في الاستفتاء، والزعم بأن رفض التعديلات الدستورية سوف يترتب عليه إلغاء المادة الثانية من الدستور، ويؤدي إلى الانفلات وانهيار الأخلاق وتحطم قيم المجتمع. ثم جاء قبول الإسلاميين بالإعلان الدستوري الذي صدر من دون موافقة الشعب، وتضمن الكثير من البنود التي تتناقض مع الديمقراطية، ثم الصمت على المحاكمات العسكرية للمدنيين، واستمرار حالة الطوارئ، وممارسات قوات الأمن مع المواطنين، والإبقاء على جهاز أمن الدولة بعد تغيير اسمه، وتهاون الحكومة مع ضباط الشرطة الرافضين للرجوع إلى عملهم ، وغيرها من الإجراءات التي تدخل في صميم المطالب الديمقراطية.

وعلى الجانب الآخر، ترى القوى السياسية الأخرى أن خيار “الدستور أولاً” يحمي مصر من خطر الدولة الدينية. فمن المؤكد أن تلك القوى مازالت تفتقر إلى التنظيم الذي من الممكن أن يؤهلها للخروج من الانتخابات بنتائج مُرضية. لذلك، فإن إجراء الانتخابات في توقيت قريب سوف يعني حتمًا هيمنة الإسلاميين، واستئثارهم بالنصيب الأكبر من مقاعد البرلمان، مما يجعلهم قادرين على ممارسة تأثير قوي في وضع الدستور. لكن موقف هذه القوى يطرح عددًا من الأسئلة:

أولاً: كيف يمكن تجاهل أن نحو 77% ممن أدلوا بأصواتهم وافقوا على خيار “الانتخابات أولاً”، كما يشير النص التالي: “يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلسي شعب وشورى تاليين لإعلان نتيجة الاستفتاء على تعديل الدستور لاختيار الجمعية التأسيسية المنوط بها إعداد مشروع الدستور الجديد خلال ستة أشهر من؟” إذَن فإن مطلب “الدستور أولاً” يتناقض صراحة مع ما وافقت عليه أغلبية الناخبين ـ حتى لو كانوا قد وافقوا تحت تأثير التضليل من جانب أنصار “نعم.”

ثانيًا: كيف يمكن تبرير الدعوة لتجاهل هذه النتيجة أمام الجماهير بعدما أعلن الجميع امتثالهم لقواعد اللعبة الديمقراطية؟ كيف يمكن لهذه القوى الدفاع عن نفسها في مواجهة الاتهام بعدم احترام إرادة الشعب والافتقار إلى المبدئية في التعامل مع القواعد الديمقراطية؟ ماذا لو كان الذي حدث هو العكس، أي أن أغلبية الناخبين قالت “لا”، ثم جاء الإسلاميون ودعوا إلى ما يتناقض مع نتيجة التصويت؟

ثالثًا: ماذا لو تم إجراء انتخابات لاختيار جمعية تأسيسية تقوم بإعداد الدستور، واستطاع الإسلاميون الحصول على أغلبية الأصوات بفعل تنظيمهم وتأثيرهم الواسع على الريف والمدن الصغيرة كما حدث في الاستفتاء؟ هل سوف تقبل هذه القوى بنتائج الانتخابات حتى لو كانت لا تأتي في مصلحتها؟ أم أنه لن يتم صياغة الدستور عبر انتخاب جمعية تأسيسية تقوم بهذه المهمة؟ هل سيتم تشكيل الجمعية بالتوافق أو الاختيار، بدلاً من الانتخاب؟

وفي هذا السياق، تبرز الأهمية التعبئة ضد الإعلان الدستوري الذي لم يقره الشعب، والوقوف ضد المحاولات الهادفة إلى فرض مواد فوق دستورية تتوافق عليها فصائل النخبة من أجل اقتسام السلطة فيما بينها. وفي الوقت نفسه، يصبح الدفاع عن دستور يكفل الحقوق الاجتماعية الأساسية، وعلى رأسها الصحة والتعليم والعمل والضمان الاجتماعي، واحدة من المهام المُلحة.

شرعية الشارع أم الصندوق؟

لعله من المفارقات المدهشة أن نرى الآن الثورة وقد اختُزلت في خلاف “الدستور أم الانتخابات أولاً”. فقبل أشهر قليلة، رأينا ملايين المصريين ينزلون إلى الشارع مطالبين بالتغيير، في مشهد ألهم شعوب العالم، وأشعل شرارة الاحتجاج في عالمنا العربي.

وفي حقيقة الأمر، كانت الخطوة الأولى في وقف مسيرة الثورة هي الاستفتاء الذي استهدف تحويل الأنظار من الشارع إلى الصندوق. فبعدما أثبتت الثورة أن التغيير لن يأتي إلا نتيجة الفعل الجماهيري، عبر التظاهر والإضراب وغيرهما من أشكال الاحتجاج، نجح المجلس العسكري بمساعدة القوى السياسية على اختلاف أطيافها ـ وفي مقدمتها الإسلاميون ـ في إقناع الشعب بأن الصندوق وحده هو الوسيلة لتحقيق أهداف الثورة. وبدلاً من أن نرى استقطابًا بين من يريدون استكمال مهام الثورة، في اتجاه التخلص من الفاسدين وتحسين الأحوال المعيشية والقضاء على أجهزة القمع، وجدنا استقطابًا علمانيًا إسلاميًا، لا يستفيد منه سوى الحكام الجدد وحلفاؤهم.

 وفي الوقت نفسه، تصدي النظام بقوة للحركة على الأرض، سواء عن طريق قانون تجريم الاعتصامات، أو بالتحريض ضد احتجاجات العمال ـ بدعوى أنها تؤدي إلى وقف عجلة الإنتاج والإضرار بالاقتصاد ـ أو استخدام القمع المباشر في مواجهة احتجاجات الشارع أو المصنع.

وفي ظل هذا المناخ، تبدو فرصة اليسار في التفاعل مع حركة الجماهير والدفع من أجل استكمال مهام الثورة أكبر من فرصة أي فصيل سياسي آخر. ذلك أننا لا يمكن أن نتجاهل أن المزاج الجماهيري اليوم أصبح مهيئًا، بصورة غير مسبوقة منذ عقود طويلة، للتجاوب مع خطاب يدعو إلى إجراء إصلاحات اجتماعية مهمة، عبر الحد من هيمنة رجال الأعمال، والتراجع عن الخصخصة، وتغيير هيكل الموازنة بحيث تنحاز إلى الفقراء، وفرض ضرائب تصاعدية، وعودة الدولة لتقديم الخدمات، وتحقيق عدالة في توزيع الدخل ..إلخ. ولا يوجد من يستطيع طرح هذا الخطاب وتعبئة الجماهير وراءه سوى اليسار (المناضل طبعا). ولذلك، فإن الانخراط في النضالات من أجل إنشاء النقابات المستقلة والتنظيمات القاعدية بمختلف أشكالها، ومساندة الاحتجاجات الاجتماعية، وفضح القمع الذي تمارسه السلطة والتصدي له، تمثل قضايا أولوية بالنسبة لليسار في الوقت الراهن.

Advertisements

الوسوم:

التصنيفات : رأي

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: