السلفية على الطريقة المصرية – 1 من 3

كتبت نهال الميرغني وغادة طنطاوي

خلال الشهور الأخيرة، تزايدت قوة الجماعات السلفية، واتجهت إلى إثبات وجودها ولعب دور سياسي لم يكن مألوفًا من قبل، بل ومارست أشكالاً من التدخل في حياة الناس الشخصية. وبرز هذا الحضور القوى في حشد الجماهير للتصويت بـ”نعم” على التعديلات الدستورية، والسعي لإنشاء أحزاب خاصة بالسلفيين، والحرص على إظهار القوة من خلال المظاهرات الحاشدة المطالبة بعودة كاميليا شحاتة، والتحريض ضد الأقباط، في مناسبات مختلفة، وأحيانًا استخدام العنف ضدهم.

أدى هذا الوضع إلى حالة من الاحتقان والخوف في المجتمع المصري، خاصة في ظل التعاون الوثيق بينهم وبين الإخوان المسلمين، مما جعل الكثيرين يحذرون من أننا مقبلون على دولة دينية. في الوقت نفسه، لم يحاول الإعلام التعمق في فهم هذه الجماعات، أو الإجابة على أسئلة كثيرة حول أصول الفكر السلفي، وأقسام الجماعات السلفية، والخلافات بينها، وموقفها من السياسة، وغيرها. ونحاول من خلال هذا التحقيق، الذي يمثل الحلقة الأولى في ملف من ثلاث حلقات، التعرض لتاريخ الجماعات السلفية وتنظيماتها المختلفة.

نشأة السلفية الحديثة

الفكر السلفي هو كما يراه علماء الجماعات السلفية  “فكر قائم علي الرجوع إلي السلف الصالح من عهد الرسالة، وهم جماعة الرسول، ومن تابعوهم بإحسان، وطريقهم هو الرجوع الي الكتاب والسُنة، من غير تأويل بإخراج اللفظ عما وُضع له. وتري الجماعات السلفية أن عليها أن تلتزم بما كُتب في الكتاب والسُنة، دون أن تجتهد فيه أو تُجدد”.

ويتعامل الكثيرون مع الجماعات السلفية علي أساس أنهم مجموعة واحدة، وهو ما يُعتبر خطأ كبيرًا. فالسلفيون ليسوا مجموعة واحدة منظمة، بل عديد من المجموعات، تختلف في طرق الدعوة والهياكل التنظيمية. لكن الخلاف الجوهري هو بين الجماعات التي تمارس العمل المسلح (السلفية الجهادية) والجماعات التي تُركز على العمل الدعوي. وقد تعرضت الجماعات السلفية الجهادية، وأهمها تنظيما الجهاد والجماعة الإسلامية، إلى ضربة قاصمة على يد الأجهزة الأمنية في التسعينيات، وهو ما أدى إلى انحسار دورها في المجتمع والسياسة في مصر. لذلك لن نتعرض لتلك الجماعات في هذه السطور.

وبالرغم من غياب تقدير دقيق لأعداد المنتمين للجماعات السلفية الدعوية، فإن عددهم يُقدر على الأقل بمئات الآلاف، والبعض يقول الملايين.

تُعتبر “الجمعية الشريعة لتعاون العاملين بالكتاب والسُنة المحمدية” التي أسسها الشيخ محمود خطاب السبكي سنة 1912 أول جمعية سلفية منظمة تدعو الي إحياء السنة ورفض البدع. وكانت أغراض الجمعية تقوم علي نشر التعاليم الدينية الصحيحة والثقافة الإسلامية، ورفض كل البدع والخرافات، وفتح مكاتب تحفيظ القران، وإنشاء المساجد والمستشفيات وإعانة الفقراء، والقيام بنفقة تجهير موتي المسلمين الفقراء. وفي الوقت الراهن، تمتلك الجماعة 350 فرعًا في مختلف محافظات مصر.

وفي عام 1926  نشأت “جماعة أنصار السُنة المحمدية” التي تأسست علي يد الشيخ محمد حامد الفقي. وكانت تتشابه كثيرًا مع فكر الجمعية الشرعية، حيث تقوم علي نشر التعاليم الدينية، والعودة الي الكتاب وصحيح السُنة، والبعد عن الخرافات وتحريم تشريف القبور. وقد دمجت الحكومة الجمعية الشرعية وجماعة أنصار السنة المحمدية في عام 1969، تحت إسم ” الجمعية الشريعة لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية “، لكنهما انفصلا بعد ذلك بثلاث سنوات، على يد الشيخ راشد الشافعي. ويوجد لدى الجمعية في الوقت الراهن 100 فرع، وتسيطر على نحو 1000 مسجد.

ونلاحظ أن سلفية مطلع القرن العشرين، التي تزامن ظهورها تقريبا كما يمكن أن نلاحظ مع ظهور جماعة الإخوان المسلمين في 1927، قد برزت في لحظة خاصة من تاريخ مصر الحديثة. ففي سنوات انهيار الخلافة الإسلامية في اسطنبول، ومع ظهور طبقات حديثة على خلفية التحديث الرأسمالي الجاري، وفي إطار التحدي الاستعماري الغربي، بدأت بعض الطبقات المدينية المنتمية إلى صفوف البرجوازية الصغيرة والمتوسطة ذات الأصول والروابط الريفية في القلق والتململ من “الفوضى” الفكرية والأخلاقية التي صنعتها حداثة الرأسمالية. وقد أخذ هذا التململ، في أحد أوجهه، شكل التشبث بـ”السلف” والعودة إلى الماضي. من هنا كان ارتكاز الحركة على رفض تغريب المجتمع، والتأكيد على التمسك بالهوية الإسلامية للمجتمع.

السلفية الجديدة

بعد فترة من الكمون النسبي في ظل العهد الناصري، بدأت  بعض الجماعات السلفية في البروز بدءا من منتصف السبعينيات. وأهم هذه الجماعات هي:

السلفية العلمية (الدعوة) تأسست في تلك الفترة في الأسكندرية، علي يد مجموعة من قيادات العمل الطلابي في الجامعة، وعلى رأسهم محمد إسماعيل المقدم وسعيد عبد العظيم. وكانت تري وجوب رجوع المسلمين إلى الالتزام بتعاليم الإسلام وفقا لمنهج السلف الصالح. لكنهم أكثر التزاما بذلك وأقل اجتهادا وتجديدًا فيه. ورفضت الجماعة التصوف، والعمل الحزبي، والمشاركة في الانتخابات، والعمل المسلح. وخلال الثمانينيات، نجحت السلفية العملية في بناء منظمة قوية، وتحول اسم الجماعة إلى “الدعوة السلفية”، وانتشرت في مختلف محافظات مصر.

وفي منتصف التسعينيات، تعرضت الدعوة السلفية لضربة من الأجهزة الأمنية بعد التوسع الكبير الذي شهدته. وأُلقي القبض على أحد قادتها، وهو محمد عبد الفتاح إدريس، وأُغلقت مجلة “صوت الدعوة” التي تتحدث باسمها. وبعد 11 سبتمبر، أمرت الأجهزة الأمنية الجماعة بحل هياكلها التنظيمية، وهو ما وافقت عليه على الفور، من دون أية مقاومة. وتعارض الجماعة أي تدخل في السياسة. وينتمي إليها بصورة فضفاضة ثلاثة من أهم دعاة السلفية في مصر هم محمد حسان، ومحمد حسين يعقوب، وأبو إسحاق الحويني.

السلفية الحركية تأسست في السبعينيات أيضًا، علي يد كل من الدكتور سيد العربي والدكتور محمد عبد المقصود والشيخ نشأت إبراهيم. وترفض السلفية الحركية بناء أي شكل تنظيمي، انطلاقًا من عدم رغبتة القائمين عليها في إضافة جماعة إسلامية جديدة إلى الواقع المنقسم. ومن ثم تشجع هذه المجموعة أتباعها على العمل من خلال الجماعات السلفية الأخرى، على أساس القضايا المتفق عليها فيما بينها. وتُعتبر السلفية الحركية أكثر تشددًا من الجماعات الأخرى، وترى أن الجماعات الأخرى رخوة في مواجهة ما تعبترهم الكفرة والفاسقين.

السلفية المدخلية تُعد امتدادًا لجماعة السلفية المدخلية السعودية، التي تأسست في أعقاب الغزو العراقي للكويت، وأيدت استعانة المسلمين بالقوات الأجنبية لتحرير أراضيهم. لكنها لم تكتف بذلك، بل رأت أن من يعارض تدخل القوات الأجنبية لتحرير العراق هو كافر. وترى السلفية المدخلية أن على المسلمين القبول بجميع مؤسسات وممارسات الدولة، وترفض بحسم أي خروج على الحاكم المسلم، حتى لو كان فاسدًا أو مستبدًا.

إلى جانب هذه الجماعات، هناك عدد من الدعاة السلفيين المستقلين، الذين لا ينتمون إلى أية جماعة. ومن أشهر هؤلاء الدعاة أسامة عبد العظيم ومصطفى الدبيسي.

ولا يمكن تفسير النمو الكبير الذي شهدته الجماعات السلفية في العقود الثلاثة الماضية بمعزل عن التحولات الاجتماعية التي طالت المجتمع المصري، نتيجة تطبيق سياسة الليبرالية الجديدة. فقد أدت سياسة التحرير الاقتصادي، والاعتماد على اقتصاد السوق، وانحسار الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة ــ وهي العملية التي تطورت في الثمانينيات وتسارعت بحدة في التسعينيات وما تلاها ــــ إلى إلحاق ضرر كبير بحياة أعداد واسعة تنتمي للشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، أي تلك الفئات ذات التعليم المحدود أو المتوسط، من أصحاب الأنشطة الحرفية أو المشروعات الصغيرة أو التي تعمل بها. ذلك أن النمو الرأسمالي، واتساع نطاق المشروعات، وتدفق الاستثمار الأجنبي يجعل وضع هذه الطبقة أكثر سوءًا، حيث تصبح غير قادرة على الصمود في عصر المشروعات الكبيرة والاحتكارات. وفي الوقت نفسه، لا يتناسب تعليمها مع متطلبات سوق العمل في عصر الليبرالية الجديدة. ولا تقدم لها الدولة شيئًا، بل تتراجع أوضاعها كل يوم تحت ضغط الغلاء وعدم توفر الخدمات.

ونتيجة لذلك الوضع، تُصبح في حالة من الضياع، فلا هي قادرة على البقاء على حالها، ولا هي لديها بدائل تكفل لها حياة كريمة. ومن هنا يتم البحث عن ملاذات آمنة، الجماعات السلفية واحدة من أكثرها جاذبية. فهي تبني نظامًا للحياة خاصًا بها، وتخلق شعورًا بالترابط والتعاون على أساس هذا النظام، وترى أن الخلاص يأتي بإصلاح كل فرد لنفسه بالعودة إلى سلوك المسلمين الأوائل. وإذا كان السبيل إلى الحياة الأفضل هو إصلاح السلوك الفردي، فلا مجال للعمل الجماعي أو الخروج عن طاعة الحكام، ماداموا مسلمين، باعتبار أن ذلك سوف يؤدي إلى الفتنة وانقسام الأمة. ولذلك لم تكن مصادفة رفض أغلبية دعاة السلفية للمشاركة في ثورة 25 يناير، وهو ما سوف نتعرض له في الموضوع القادم.

Advertisements

التصنيفات : مصر, سياسة

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

One Comment في “السلفية على الطريقة المصرية – 1 من 3”

  1. محمد عاطف
    27/06/2011 في 12:30 م #

    الزملاء الأعزاء، جهد بحثي جيد في محاولة عرض المشهد السلفي.. انتظر اﻷجزاء المتبقية حتى تكتمل مداخلتي. أشكركم بشدة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: