ناعوم تشومسكي: ليس الإسلام المتطرف الذي يقلق أمريكا – بل الاستقلال

كتب نعوم تشومسكي

ترجمة: عزة خليل

تطالعنا صورة العالم العربي على قناة الجزيرة وهو يتقد، بينما يفقد الحلف الغربي نفوذه في كافة انحاء المنطقة بوتيرة سريعة. لقد تحركت الموجة العاتية من انتفاضة تونس المفاجئة التي اطاحت بالدكتاتور الذي يدعمه الغرب. وترددت أصداؤها، خاصة في مصر إذ تغلبت المظاهرات على شرطة الديكتاتور الوحشية.

 قارن المراقبون مايحدث الآن، مع روسيا عام 1989عندما  تداعت سيطرتها على المجال المحيط بها، رغم أن هناك فروقًا مهمة.  قد يكون اولها، عدم وجود ميخائيل جورباتشوف بين القوى العظمى الداعمة للديكتاتوريين العرب. فبدلا منه، توجد واشنطن وحلفاؤها الذين لا يحيدون عن مبدأ ثابت، هو أن الديمقراطية مقبولة طالما تتفق مع الاهداف الاستراتيجية والاقتصادية فقط: إنها شيء جيد (إلى حد معين) إن كانت في بلدان الأعداء، ولكنها ليست كذلك في فناءنا الخلفي، عفوا، ما لم يتم استئناسها تماما.

 المقارنة مع 1989 لها وجاهتها بعض الشيء في حالة رومانيا، حيث ابقت واشنطن على تأييدها لنيكولا تشاوشيسكو، أسوأ ديكتاتوريي أوربا الشرقية، حتى أصبح الاستمرار في ذلك أمرا لا يمكن الدفاع عنه. فأشادت واشنطن بالإطاحة به، وكأنها لم تدعمه. إنه نموذج موحد: فرديناند ماركوس، وجان كلود دوفالييه، وتشون دو هوان، وسوهارتو والعديد من اللصوص المفيدين الآخرين. وربما ينطبق هذا على حالة حسني مبارك، مع محاولات روتينية لضمان أن النظام المقبل لن ينحرف عن المسار المعتمد. يبدو أنها حاليا تعقد أملها على الجنرال عمر سليمان الموالي لمبارك، الذي عين فورا رئيسا لوزراء لمصر. ولكن الجماهير الغاضبة لا تحترم سليمان، الذي ترأس جهازالمخابرات لفترة طويلة، بقدر عدم احترامها لمبارك نفسه تقريبا.

 من العبارات المألوفة التي يرددها المعلقون، أن التفكير العملي يقتضي مقاومة  تطبيق الديمقراطية في تلك المنطقة (أو التأني فيه) خوفا من الإسلام المتشدد. وإن لم يخل ذلك من بعض الوجاهة، إلا أنها عبارة مضللة. لأن الاستقلال هو الشيء الذي يمثل دائما تهديدا شاملا بالنسبة لأمريكا. لقد دعمت وحلفاؤها الإسلام المتطرف بصورة منتظمة، وفي أحيان كثيرة من أجل التغلب على تهديد القومية العلمانية.

 وتمثل السعودية مثالا بارزا على ذلك، فهي المركز الأيديولودجي للإسلام المتطرف (والإرهاب الإسلامي أيضا). و المثال الآخر في القائمة الطويلة، هو ضياء الحق، الديكتاتور الباكستاني الأكثر توحشا، والرئيس المفضل لدى ريجان، الذي تعهد ببرنامج لفرض النموذج الإسلامي المتطرف (بتمويل سعودي).

 وكما قال مروان معشر، المسئول الأردني السابق، والرئيس الحالي لبحوث الشرق الأوسط في منح كارنجي “الحجة التقليدية التي تطرح داخل وخارج العالم العربي، ليست هناك من مشكلة، طالما الوضع تحت السيطرة تماما. بهذه الطريقة في التفكير، تقول القوى المدافعة عن الثبات أن المعارضين والغرباء الذين يدعون إلى الإصلاح، ينظرون بشيء من المبالغة إلى الظروف القائمة بالفعل في الواقع”

 وهكذا، يمكن تجاهل الجماهير. واتباع تلك التعاليم إلى آخر مدى، وتعميمها في انحاء العالم، كما هو الحال في الأرض الأمريكية أيضا. وفي حالة الاضطرابات، قد تنشأ ضرورة لإدخال تغييرات تكتيكية ، ولكن مع الانتباه جيدا إلى تأمين السيطرة.

 وفي يوليو 2009، قال روبرت جوديس السفير الأمريكي في إحدى البرقيات التي كشف عنها ويكليكس، إن الحركة الديمقراطية النابضة في تونس تواجه “دولة بوليسية تكاد تنعدم فيها مساحات التعبير أو حرية التنظيم، وبها مشاكل خطيرة في مجال حقوق الإنسان” ويحكمها ديكتاتور يكره الناس عائلته بسبب فسادها.

 ووفقا لبعض المراقبين، تعتبر وثائق ويكليكس مدعاه لشعور الشعب الأمريكي بالارتياح، لأن المسئولين عن البلاد ليسوا غافلين عما يدور من تغير” وفي الواقع، كانت تلك البرقيات مفيدة للسياسة الأمريكية، كما لو أن أوباما نفسه الذي قام بتسريبها” (هكذا كتب جاكوب هيلبورن في ناشونال انترست.)

 وجاء في عنوان رئيسي لصحيفة فاينانشال تيمز “يجب أن تنعم أمريكا بوسام على أسانج [مؤسس ويكليكس].” وكتب جدعون راتشمان تحت هذا العنوان ” سياسة أمريكا الخارجية، كما تبدو في الوثائق مبدأية  وذكية وعملية… إلى جانب أن المواقف العامة التي اتخذتها في أي قضية من القضايا كانت متميزة أيضا.”

 ووفقا لهذه الرؤية، قضت ويكليكس على “نظريات المؤامرة” التي تشكك في الدوافع النبيلة التي تعلنها واشنطن.

 تدعم برقية جوديس وجهة النظر تلك – على الأقل إذا لم نتجاوز النظرة الضيقة. أما إذا فعلنا ذلك مثل ستيفن زونس محلل السياسة الخارجية في فورين بولسي إن فوكس، سنجد أن واشنطن قدمت، بعد الحصول على المعلومات التي أفاد بها جوديس، معونة عسكرية قدرها  12 مليون دولار إلى تونس. وبالمصادفة، تمثل تونس واحدة من بين خمس دول اجنبية تستفيد من المعونة الأمريكية: اسرائيل (أمر بديهي)؛ وديكتاتوري الشرق الأوسط المصري والأردني؛ وكلومبيا، التي لديها منذ زمن طويل أسوأ سجل لحقوق الإنسان، والذراع العسكري الأيمن لأمريكا في نصف الكرة الغربي.

 أوضح هايلبورن في برقيات مسربة تم الكشف عنها، أن العرب مؤيدون لسياسة أمريكا تجاه إيران. وفهم راتشمان الشيء نفسه ايضا، وكذلك وسائل الإعلام عموما، مشيدا بتلك الاكتشافات المشجعة. وتوضح ردود الفعل هذه، عمق الاستخفاف بالديمقراطية في ثقافة المتعلمين.

 وما لم ترد إشارة إليه هو ما يعتقده الرأي العام- وهو أمر تسهل معرفته. فوفقا لاستطلاع رأي اجراه بوكينج انستيتيوت في أغسطس، اتفق 10% من  العرب مع واشنطن والمعلقون الغربيون في أن إيران تمثل تهديدا، ومثل العرب الذين ينظرون، على العكس منهم إلى أمريكا وإسرائيل باعتبارهما التهديد الأساسي (77%؛ 88%).

 والرأي العام العربي معاد جدا لسياسة واشنطن، حتى أن الغالبية (57%) يعتقدون أن وضع الأمن الإقليمي سيتحسن إذا امتلكت إيران أسلحة نووية. وما زلنا نقول، “ليست هناك مشكلة، طالما الوضع مسيطر عليه تماما” (كما قال معاشر في وصف الفانتازيا الحالية). الديكتاتوريين يؤيدوننا. ويمكن تجاهل الخاضعين لحكمهم – إلا إذا كسروا قيودهم، فعندئذ يكون علينا تكييف سياستنا.

 وهناك تسريبات آخرى تبدو مؤيدة لوجه النظر المتحمسة لنبل نوايا واشنطن. في يوليو 2009، نقل هوجو لورانز، السفير الأمريكي في هندوراس، إلى واشنطن أخبار تحريات السفارة حول “المسائل القانونية والدستورية التي تحيط  بالترحيل القسري للرئيس مانويل ’مل‘ زيلايا يوم 28 يونيو.”

 لقد وصل إلى علم السفارة أنه “ليس هناك من شك في تآمر الجيش و المحكمة العليا والمؤتمر الوطني يوم 28 يونيو، بما يمثل انقلابا غير شرعيا وغير دستوريا ضد السلطة التنفيذية”. شيء رائع، فيما عدا أن الرئيس أوباما  انتقل إلى قطيعة مع كافة دول أمريكا اللاتينية وأوربا تقريبا بسبب دعم نظام الانقلاب وتجاهل الفظائع التي قام به لاحقا.

 ربما كان أهم ما كشف عنه ويكليكس من وثائق تلك المتعلقة بباكستان، والتي قدمها فريد بارانفمان، محلل السياسة الخارجية في تروث ديج. وقد كشفت البرقيات إدراك السفارة الأمريكية جيدا أن حرب واشنطن في أفغانستان وباكستان لا تزيد فقط تفشي العداء ضد أمريكا، وإنما تزيد أيضا من “مخاطر زعزعة استقرار الدولة في باكستان” وتصعد بنفس  القدر احتمالات كابوس رهيب: أن تقع الأسلحة النووية في أيدي إرهابيين إسلاميين.

 ومرة أخرى، ما تم الكشف عنه “ينبغي أن يخلق شعور بالارتياح…  لأن المسئولين ليسوا غافلين عما يجري من تحول” (كلمات هايلبورن)- بينما تسير واشنطن بثبات نحو كارثة.

الجارديان، 4 فبراير 2011

Advertisements

التصنيفات : رأي

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: