قراءة في عودة العنف ضد الأقباط

اعتصام الأقباط أمام ماسبيرو - تصوير حازم عبد الحميد

كتبت غادة طنطاوي

خلال الأعوام الأخيرة، تزايدت حدة العنف ضد الأقباط بصورة ملفتة. وأصبحت لا تمر أسابيع، وأحيانًا أيام، قليلة، إلا ونسمع عن حدوث توتر طائفي نتيجة بناء كنيسة، أو علاقة عاطفية، وحتى شجار عادي بين مسلم ومسيحي. وفي أغلب الأحيان، كان الأمر يتطور بسرعة إلى اعتداء على منازل الأقباط وممتلكاتهم ودور عبادتهم، وأحيانًا أرواحهم. ثم تتحرك أجهزة الأمن بعد فوات الأوان، وتلقي القبض على العشرات من الطرفين. وينتهي الأمر بجلسات صلح عرفي، غالبًا يضطر فيها الطرف المعتدي عليه للتنازل عن حقوقه القانونية والمادية. وأحيانًا كان يعقب الحدث ظهور شيوخ وقساوسة في وسائل الإعلام ليؤكدوا على وحدة الشعب المصري. ثم يتكرر الحدث في مكان آخر.

 لكننا فوجئنا بحالة مختلفة أيام الثورة، حيث وجدنا لأول مرة منذ عقود الأقباط يشاركون في حدث لا علاقة له مباشرة بالقضايا القبطية، متجاهلين حتى تحذيرات الكنيسة بعدم المشاركة في الثورة، بل ودفاعها عن نظام مبارك. ورأينا حالة من المودة والتلاحم بين المسلمين والأقباط ربما لم نشهدها منذ ثورة 1919. وبالرغم من الغياب الأمني الكامل، كانت دور عبادة الأقباط آمنة أكثر من أي وقت مضى، لأنها كانت في حماية الشعب. وكانت هذه الحالة مثار انبهار الكثيرين داخل مصر وخارجها، واعتبر المفكر الفلسطيني عزمي بشارة أن الثورة بمثابة عملية تطهر يتخلص فيها المصريون من كل ما لحق بهم أثناء نظام مبارك من تعصب أو نوازع طائفية.

ظن الكثيرون منا أن التعصب والاحتقان الطائفي قد انتهى، وأن الثورة طوت هذه الصفحة إلى غير رجعة.

 عودة الطائفية

 لكنه بعد أسابيع قليلة من تنحي مبارك، رأينا الصدام الطائفي يعود بصورة أعلى وتيرة وأوسع نطاقًا، من حلوان إلى قنا إلى المنيا إلى إمبابة إلى الأقصر، إلى عين شمس…إلخ.

تُركِز معظم الكتابات حول هذا القضية على دور السلفيين وفلول الحزب الوطني وأمن الدولة في تأجيج الصدامات الطائفية. وفي كل الأحوال، لا يمكن لمنصف إنكار هذا الدور. فأغلبنا يعلم أنه قبل الثورة، لعبت الجماعات السلفية دورًا أساسيًا في الهجمات ضد الأقباط. وفي الوقت نفسه، كان الكثير منها يقيم علاقة وثيقة مع جهاز أمن الدولة الذي استعان بهم في أحيان كثيرة في مواجهة الإخوان. وأثناء الثورة، رفض قسم كبير من القيادات والجماعات السلفية المشاركة باعتبارها خروجًا عن الحاكم. لكنه بعد نجاح الثورة في الإطاحة بمبارك، كانت هذه الجماعات ـ التي تتميز بأنها شديدة التنظيم من أكثر المستفيدين من حرية الحركة النسبية المتوفرة ـ خاصة في ظل عدم وجود الأمن. ومن ثم، أصبحت قادرة على رفع صوتها وفرض إرادتها، كلما كان ذلك ممكنًا. وتكتسب هذه الجماعات المزيد من القوة حاليًا في ضوء التقارب الواضح بينها وبين جماعة الإخوان، التي تسعى حاليًا تجميع الفصائل الإسلامية استعدادًا للحظة الحكم التي تعتقد أنها قد حانت.

 من ناحية أخرى، لا يمكن استبعاد دور الحزب الوطني وأجهزة أمن الدولة. فمن الأكيد أن هذه القوى لها مصلحة أساسية في عودة الاحتقان الطائفي، من أجل إشاعة الانقسام والإحباط وإفقاد الناس لثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على التغيير، بل وإحلال شعور بالندم محل الشعور بالفخر. وإذا كانت الدلائل قد أثبتت أن جهاز أمن الدولة هو الذي رتب لمجزرة كنيسة القديسين، فلابد وأن أيدي هذا الجهاز ـ الذي تغير اسمه وبعض قياداته دون أن يطرأ أي تغيير على مضمونه ووظائفه ـ ليست بعيدة عما يحدث.

 لكن هل يمكن أن نفسر عودة مناخ الطائفية الكريه بالدور التخريبي التي تلعبه هذه القوى فحسب؟ أم أن وراء هذه الانتكاسة عوامل أعمق، تتعلق بطبيعة الثورة نفسها، وما تحقق فيها، وما لم يتحقق؟

 لماذا ثار المصريون؟

 لم يكن رفع الناس شعارات “الشعب يريد إسقاط النظام”، و”عيش، حرية، كرامة إنسانية” مصادفة. صحيح أن رحيل مبارك كان الهدف الذي التف حوله الجميع، ولم يعد الناس إلى منازلهم إلا عندما تحقق؛ وصحيح أن الثورة لم ترفع مطالب اجتماعية مباشرة، لكنه لا يمكن إغفال حقيقة أن ملايين الناس الذين خرجوا إلى الشوارع في القاهرة والمدن، لم يكونوا يطمحون إلى مجرد رحيل رأس النظام وبضعة من رموزه. بل كان القول الذي تسمعه على الدوام من المحتجين “عايزين أولادنا يعيشوا حياة أفضل.” فقد كان الدافع الذي حرك الناس هو البحث عن الحرية والحياة التي يتوفر بها حد معقول من الكرامة، بكل ما يعنيه ذلك من معنى. كان الناس يشكون من الفساد، ومن تضخم الهائل في ثروات البعض، ومن عدم توفر الخدمات، والغلاء، وظلم أصحاب العمل، وقهر ضباط الشرطة….إلخ. إذَن فالأمر كان أكبر بكثير من مجرد رحيل مبارك ومحاكمته مع حفنة من رموز النظام القديم.

 وإذا نظرنا إلى الأقباط، فقد رأوا في الثورة ـ التي جاءت في ظل حالة من التقارب بينهم وبين المسلمين في أعقاب حادث كنيسة القديسين ـ فرصة غير مسبوقة لتحقيق الحرية والمساواة ونيل الحقوق في إطار التحرر الأوسع للمجتمع. وكان ما شجع على ذلك هي مشاعر المودة التي عبر عنها المسلمون تجاه الأقباط أثناء أيام الثورة.

 هل سقط النظام؟

 لم يمثل تنحي مبارك بأي حال سقوطًا للنظام. ففي ظل الصيغة التي أُديرت بها عملية انتقال السلطة تحت قيادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، تم التخلص من قيادات الصف الأول المكروهة، وإحلال قيادات الصف الثاني مكانها. أي أن الذي جاء بعد مبارك لم يكن حكومة ثورية، تعبر عن انحياز ـ بدرجة أو بأخرى ـ إلى الجماهير الفقيرة، أو تقطع، ولو جزئيًا، مع سياسات النظام السابق، ومن ثم تستطيع اتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة في مصلحة الفقراء، أو ضد مصلحة الفاسدين. بل حكومة تمثل امتدادًا للنظام القديم، تسعى إلى تحجيم حدود التغيير، اجتماعيًا كان أم ديمقراطيًا، إلى أقصى درجة ممكنة.

 ومن ثم فإنه لم تكن من المصادفة أن المجلس العسكري الحاكم لم يُقل حكومة شفيق إلا في بعد الضغط الشعبي ـ وهو الشيء نفسه الذي أجبر النظام على محاكمة مبارك وأسرته والحكم على العادلي. في الوقت نفسه، فلم تكن مصادفة أن ثورة بهذا الحجم والقوة لم ينتج عنها مكسب اجتماعي واحد؛ وأن وزير القوة العاملة هو نفسه مهندس قانون العمل سيء السمعة لعام 2003، الذي منح أصحاب العمل سلطة مطلقة في تشريد العمال؛ وأن المجلس العسكري أقام احتفال عيد العمال في حضور الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، الذي اقتصر دوره خلال عشرات السنين على النهب والتصدي للاحتجاجات العمالية ومقاومة محاولة العمال إقامة نقابات مستقلة؛ وأن الحكومة اتخذت موقفًا عدائيًا إلى أقصى حد تجاه المطالب الاجتماعية؛ وأطلقت صحف النظام، “مستقلة” كانت أو حكومية، لفظ “الفئوية” على مطالب الجماهير المطحونة كي تعبئ الرأي العام ضد هذه الاحتجاجات. وأصبحنا نسمع كل يوم تحذيرات مذعورة، معظمها مبالغ فيه، حول خطورة المطالبة بالحقوق على مصلحة البلد، واحتمالات المجاعة، والكارثة التي تحدث في البورصة، واحتمال العجز عن دفع الرواتب. ووصل الأمر إلى تخوين القائمين على الاحتجاجات الاجتماعية، باعتبارهم متآمرين ضد الثورة لأنهم يعلنون مطالبهم في وقت غير مناسب؛ وأصبحنا نسمع أن “العمل” ثم “العمل” ثم “العمل” هو الطريق الوحيد لإنقاذ البلد. أما المطالبة بالحقوق، فهذا ليس وقته. لكنهم لم يقولوا لنا إذا لم تكن الثورة هي الوقت المناسب كي يطالب الكادحون بحقوقهم المهدرة منذ عشرات السنين، فمتى؟ ولم يقولوا لنا لماذا لم تتم مصادرة أموال أي من الفاسدين، ولماذا بطء عملية التقاضي في الجرائم التي ارتكبها الكبار، في مقابل المحاكمات العسكرية السريعة للفقراء.

 وإضافة إلى أن الثورة لم تحقق شيئًا على الصعيد الاجتماعي، فقد تضررت بعض القطاعات بما حدث، خاصة الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، الذين يحصلون على رزقهم بشكل يومي، ومن ثم تتأثر حياتهم بصورة مباشرة بالأحداث السياسية.

 من ناحية أخرى، فإن اليسار، القوة الوحيدة التي تمتلك خطابًا يستطيع اجتذاب أعداد واسعة من الجماهير، عبر وضع قضية  الأقباط في سياق اجتماعي أوسع يقوم تحرر الأغلبية الساحقة من الفقراء والكادحين الأقباط والمسلمين من القهر والاستغلال، يعاني مشكلات تاريخية، جعلته من حالة من التفكك والانعزال، ومن ثم غير قادر على التأثير في الجماهير، أو نشر رؤيته بين الأغلبية صاحبة المصلحة في التغيير الحقيقي.

 إذَن فالثورة في واقع الأمر لم تحقق ما كانت تطمح إليه الجماهير. ومن ناحية أخرى، يتعرض الشعب لضغوط هائلة نتيجة خطاب التخويف الذي يقوم به النظام. واليسار، من جانبه، غير قادر على التأثير في الجماهير. وفي ظل هذا المناخ، من الطبيعي أن نرى مشاعر التعصب التي سادت قبل الثورة تعود لتطل برأسها من جديد، وأن نرى الدعاية التحريضية التي يقوم بها السلفيون وغيرهم من الجماعات الرجعية تلقى قبولاً بين أعداد واسعة من الجماهير المقهورة واليائسة، التي تجد نفسها مدفوعة إلى توجيه غضبها نحو فقراء مثلهم، لكنهم أضعف لأنهم أقل منهم عددًا.

 دور اليسار

 لكنه لا يمكن إغفال أن الصورة بها الكثير من الجوانب المضيئة. فمن جهة أحدثت الثورة تأثيرًا كبيرًا في الأقباط وطرق احتجاجهم، يفتح إمكانات جديدة للالتحام بحركة الأقباط والتأثير فيها. فبعدما كان المحتجون يقفون داخل أسوار الكاتدرائية، ويستنجدون بالكنيسة ويخضعون لتوجيهاتها وهيمنتها، نجد المسيحيين وقد نقلوا احتجاجهم إلى الشارع، وأصبحوا يفصلون على نحو متزايد بين الكنيسة كقيادة روحية، وبين دورها السياسي. من جهة أخرى، نرى توجهًا لم يكن موجودًا من قبل بين الشباب القبطي نحو المشاركة السياسية والانضمام إلى الأحزاب.

في الوقت نفسه، فإنه بفعل تأثير الثورة وما ترتب عليها من أحداث، أصبحنا نجد رفضًا لدى قطاعات متزايدة من المسلمين للدعاوى الطائفية، وحذرًا من جانب هذه القطاعات تجاه الدمار الذي من المحتم أن يؤدي إليه النزاع الطائفي.

 وفي هذا السياق، تتوفر لدى اليسار فرصة تاريخية للتأثير في القضية القبطية. لأنه على خلاف الكنيسة التي تسعى لاستغلال التمييز ضد الأقباط من أجل توسيع نفوذها، وإحكام قبضتها، أو القوى الليبرالية التي تختزل المشكلة في جوانب تتعلق بالثقافة والمواطنة والقانون، فإن اليسار وحده قادر على تقديم خطاب يضع القضية في إطارها الاجتماعي، ويدافع عن المطالب المشروعة للأقباط في حرية بناء دور العبادة وشغل الوظائف القيادة وغيرها، ويركز في الوقت نفسه على ما يجمع الكادحين من المسلمين والأقباط من مصلحة في العيش حياة كريمة والوقوف في وجه الظلم والاستغلال. لذلك فإنه من الضروري انخراط اليسار في نضالات الأقباط، ودعمها، والتفاعل مع الخطاب الذي تطرحه، والسعي إلى طرح خطاب بديل، يضع في القلب النضال الاجتماعي. ويتزامن مع ذلك، ويكمله، البحث في إمكانية العمل على تأسيس حركة شعبية في مواجهة دعاوى الطائفية التي تتبناها القوى الرجعية التي تخدم في النهاية الذين لهم مصلحة في الإبقاء على الأوضاع على ما هي عليه، ترتكز إلى المسلمين والأقباط ممن يرون خطورة الطائفية على استكمال مهام الثورة.

Advertisements

التصنيفات : رأي

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: