عودة الثورات العربية

مظاهرات 25 يناير – تصوير حازم عبد الحميد

كتب أليكس كالينيكوس

ترجمة: عزة خليل

كتب الناقد الماركسي الألماني والتر بنجامين في شتاء 39/1940 نصًا متميزًا تحت عنوان “أطروحات حول فلسفة التاريخ”، هاجم فيه الاعتقاد الشائع وسط اليسار حول حتمية تحقق الاشتراكية نتيجة للتطور التاريخي. وقال “لم يُفسد الطبقة العاملة الألمانية شيئًا بقدر ما أفسدتها فكرة أنها تتحرك في اتجاه التيار.” الثورة ليست نتيجة معينة لتقدم البشرية عبر زمن فارغ متجانس”. بل هي “وثبة نمر إلى الماضي” تحشد ذكريات معاناة الماضي وقهره ضد الطبقة الحاكمة. واختتم بنجامين فكرته بالإشارة إلى التراث اليهودي المسيحي، الذي جاء فيه أن “كل ثانية من الزمن بمثابة بوابة ضيقة قد يمرق منها المسيح”. (1)

وبعبارة أخرى، الثورات ليست نتيجة متوقعة لحركة التاريخ للأمام، بل أنها انفجار مفاجئ غير متوقع، في تاريخ يمثل “كارثة واحدة، يتراكم داخلها الحطام فوق بعضه البعض”.(2) لقد كتب بنجامين هذه الكلمات في لحظة تاريخية كئيبة، “لحظة الظلام في القرن”، حينما بدت معاهدة هتلر وستالين وكأنها رمزًا لموت الآمال الراديكالية كافة. ومع ذلك، تتلاءم الفكرة تماما مع الثورات التي تجتاح أنحاء العالم العربي منذ منتصف ديسمبر. فقد بدت تلك الثورات وكأنها انفجار جاء من العدم؛ انفجار غير متوقع على الإطلاق؛ انفجار نتيجة لغضب استمرت ضغوطه العميقة على مدار عقود. ولن تقتصر نتائج تلك الثورات على مجرد إعادة صياغة الخريطة السياسية في الشرق الأوسط ، بل سوف تتجاوز معانيها التاريخية ذلك بكثير.

وفي المقام الأول، عبَّرت الهبَّات التي حدثت في تونس ومصر وليبيا، والصدى الذي أحدثته في المنطقة، عن عودة غير متوقعة للثورة العربية. ففي الماضي، بدأ اجتياح الثورة العربية للشرق الأوسط ـ حينما كانت الإمبريالية البريطانية والفرنسية لا تزال مهيمنة ـ مع استيلاء حركة الضباط الأحرار في مصر على السلطة عام 1952. وبعد انتصار جمال عبد الناصر في الصراع الداخلي، لم يكتف بالنجاح في مواجهة القوى الاستعمارية، والاستيلاء على معظم أصول الطبقات المصرية المالكة، بل أنه على الصعيد الإقليمي دعا إلى نشر وعي الانتماء إلى أمة واحدة، وتجاوز الحدود السياسية التي تقسم المنطقة إلى دول مختلفة، والتي نتجت عن العهد الاستعماري. وفي 1958، أعلن ناصر الجمهورية العربية المتحدة، وكانت تعني اتحادًا لم يعمر طويلا بين مصر وسوريا. وشن حربًا طويلة بالإنابة في شمال اليمن مع المملكة العربية السعودية، التي كانت في ذلك الحين ـ ومازالت حتى هذه اللحظة ـ قلعة الرجعية العربية. كما لعب تابعوه دورًا نشطًا في الثورة العراقية الكبرى بين 58-1963. وكانت حركة الوحدة العربية الناصرية، التي أسسها الناصريون العرب، ميدانًا لتدريب القيادات الأكثر راديكالية في المقاومة الفلسطينية.

ومُنيت حركة الوحدة العربية الناصرية ـ التي كانت تشهد تراجعًا حقيقيًا ـ بهزيمة ساحقة عندما، انتصرت إسرائيل على مصر ودول عربية أخرى في حرب الأيام الستة في يونيو 1967. وتوفي عبد الناصر كسيرًا بعد ذلك بثلاث سنوات. وتواصل الوعي القومي العربي، وإن كان بأشكال أكثر تدنيًا، من خلال النظم الديكتاتورية البعثية في سوريا والعراق، وبصورة أكثر إيجابية من خلال التضامن مع النضال الفلسطيني. ولكن قدرة الوعي القومي العربي على الاستمرار اتضحت من خلال سرعة انتشار فيروس الثورة من تونس ـ بعد سقوط زين العابدين بن علي في 14 يناير ـ إلى مصر واليمن والبحرين وليبيا. وفي الحقيقة، تأثرت إيران ـ التي تعد بدورها قوة مؤثرة بشكل متزايد في العالم العربي ـ بتلك الثورات،  التي قامت بإنعاش الثورة الخضراء. ثم أرسل الحكام الأوتوقراطيون في مجلس التعاون الخليجي قوات إلى البحرين في منتصف مارس/ لوقف مد هذا الفيروس الثوري.

ولكن التاريخ لا يعيد نفسه. لقد سعت الوحدة العربية التي دعا إليها ناصر إلى توحيد العالم العربي ضد الإمبريالية الغربية، وبرجوازية القطاع الخاص العربية، وملاك الأراضي. وتم هذا على خلفية تحركات جماهيرية ضخمة في مصر والعراق في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، حيث دفعت الأنظمة العميلة لبريطانيا تلك البلدان إلى ما بدا أنه أزمتها الأخيرة. لكنه كان مشروعًا من أعلى، إذ عمل الضباط الأحرار، وناصر شخصيًا، على الاحتفاظ بالسيطرة بشكل متزايد على القوى الشعبية، والتلاعب بها، ومحاولة تقسيمها وقمعها بقسوة. وفي مصر على سبيل المثال، تضمنت هذه القوى الأخوان المسلمين والحركة الشيوعية (3). وعلى عكس هذا، كانت الثورة العربية في 2011 تمردات شعبية من أسفل. وكما يردد المعلقون ـ إلى حدود مبالغ فيها أحيانًا ـ، لم يتبع هؤلاء حزبًا أو حركة سياسية، وإنما حركتهم طموحات ديمقراطية تجسدت في أشكال التنظيم الذاتي التي ظهرت بسرعة في كل مواقع النضال.

إننا نشهد تجديدًا في الشكل السياسي التقليدي للثورة. فكثيرًا ما زعمت النظريات والشخصيات السياسية ـ على مدى عشرين عاما ـ أن الثورة انتهت، سواء بسبب الانتصار النهائي للرأسمالية عام 1989، أو الانتقال إلى حقبة “ما بعد الحداثة”. وبدا في مرحلة من المراحل أنه لا سبيل لعودة الثورات إلى الظهور، إلا إذا قللت من طموحها، واتخذت شكل “الثورات الملونة” التي تحل فيها عصابة من المستبدين محل عصابة أخرى، تحت لافتة “الديمقراطية” وبدعم مادي ومعنوي كبير من واشنطون.

وبالرغم من الحديث المتواصل حول دور الفيسبوك وتويتر في الانتفاضات العربية (وهي فكرة فندها جوني جونز في موقع آخر من هذا النشرة)، فإن الأمر العجيب هو مدى تشابه الثورة في تونس ومصر مع النموذج الذي تأسس لأول مرة أثناء الثورة الإنجليزية في أربعينيات القرن السابع عشر، والثورة الفرنسية العظمى في تسعينيات القرن الثامن عشر ـ بمعنى حشود جماهيرية، وانقسام النخبة في القمة، ونزاعات على الولاء داخل القوات المسلحة، ونزاعات من أجل تحديد السمات السياسية والاقتصادية للأنظمة التي قد تخلف النظام القائم، وكذلك إمكانية وجود حركات أكثر راديكالية من أسفل. وفي ليبيا وقت كتابة هذا المقال، نرى الوجهة الأساسية لمعمر القذافي والثوار المناهضين له، في محاولة كل طرف جمع عدد كاف من المحاربين والأسلحة لتحقيق نصر ساحق على الطرف الآخر، الأمر الذي أدى إلى اندلاع حرب أهلية ما تزال نتيجتها غير مؤكدة، وهو ما يُستخدم الآن في تبرير التدخل الإمبريالي الأخير في العالم الإسلامي. وفي كل الأحوال، فقد تبيَّن أن الثورة حقيقة تحدث في القرن الواحد والعشرين.

الأزمة الاقتصادية تطلب ضحايا سياسيين

بالطبع، لا يوجد أسهل من الزعم بأن الثورة العربية هبطت من السماء. وبالنظر إلى الحالة الأهم، وهي مصر، فإنه من خلال دراسة جماعية نُشرت قبل سنتين لمجموعة باحثين من اليسار الراديكالي ـ منهم عدد من المساهمين في هذه المجلة ـ نجد تناقضات اقتصادية واجتماعية وسياسية، وصعود لحركات المقاومة، وهي أمور كلها دفعت نظام حسني مبارك إلى “لحظة التغيير”.(4) وكما أكد ماركس نفسه “من الضروري أن نفرق دائما بين التحول المادي للظروف الاقتصادية للإنتاج، التي يمكن تحديدها بدقة تماثل دقة العلوم الطبيعية، وبين الأشكال القانونية والسياسية والدينية والفنية والفلسفية ـ في كلمة واحدة “الأيديولوجية” ـ التي يصبح الإنسان بواسطتها واعيًا بهذا الصراع ومشاركًا فيه”.(5) إن تحديد التناقضات البنيوية المتسببة في زعزعة استقرار مجتمع معين أمر مختلف تماما عن تحديد متى وكيف سوف تتفاعل هذه التناقضات وتؤدي إلى انفجار سياسي.

ولكننا نتعامل هنا مع موجة ثورات عابرة للقومية، ومن ثم يصعب أن نضع يدنا ببساطة على العوامل المفجرة لكل منها على المستوى القومي. وفي واقع الأمر، يمكن للأزمة الاقتصادية والسياسية العالمية أن تكون البداية الأفضل عن تحليل هذه الثورات. ذلك أنه في العام الماضي، كتبت سوزان واتكينز، المحررة في نيو ليفت ريفيو، “ربما كان أكثر ما يلفت النظر في أزمة 2008، هو أنها جمعت حتى الآن بين الاضطراب الاقتصادي والركود السياسي”.(6) والآن، تبدو عبارة “حتى الآن” جزءًا أساسيا في هذه الجملة. وكما أشرنا في ردنا عليها، لابد أن يُنظر إلى أزمة بنيوية طاحنة، مثل الأزمة الحالية، باعتبارها ظاهرة ممتدة، تمر عبر سلسلة من المراحل المختلفة(7).

وعبر باحثان ماركسيان في الاقتصاد مؤخرًا عن وجهة نظر مشابهة، مع اختلاف تفسيرهما للأزمة عما تم نشره في هذه المجلة، وهما جيرارد دومينيل و دومينك ليفي:

الملمح المشترك في الأزمات البنيوية هو تعدد أوجهها وما تستغرقه من زمن. على سبيل المثال، يصعب تحديد المدة التي استغرقها الكساد الكبير بدقة، أو كم من الوقت كان سيستمر إذا لم يساعد الاستعداد للحرب على تعزيز الاقتصاد. انهار الاقتصاد الكلي في الكساد نفسه منذ 1929 إلى 1933. وحدث انتعاش تدريجي حتى 1937، حينما بدأ الناتج يتراجع من جديد. إذا عمل اقتصاد الحرب على تغيير مسار الأحداث تماما… وفي أغلب  الظن سيحدث هذا في الأزمة الحالية. بمجرد أن تسود معدلات النمو الإيجابية في أعقاب انخفاض الناتج، سيمثل هذا مؤشرا على مرحلة جديدة، ولكنه بالتأكيد ليس حلا للتوترات التي أدت إلى الأزمة. سيكون هناك كثير من الأموار التي مازال هناك ضرورة للقيام بها. هل ستكون معدلات النمو الإيجابية عند المستوى الملائم؟ متى يعالج الخلل في الاقتصاد الأمريكي؟ كيف سيتم سداد ديون الحكومة؟ هل يدعم الدولار الضغوط الدولية؟ وسيكون تأسيس مسار جديد ودائم للأحداث عملية طويلة وشاقة.(8)

وكما قلنا في السابق، ” تشكل الأزمة الاقتصادية الممتدة ضغطًا على البني السياسية البرجوازية، وتكشف عن تصدعاتها”.(9) وهذا على وجه التحديد هو ما أحدثته الثورات العربية. فقد كانت التصدعات اقتصادية وسياسية في آن واحد. وكانت كلٌ من مصر في ظل مبارك وتونس في ظل بن علي ابنًا بارًا لليبرالية الجديدة في المنطقة. ولم يتمكن البنك الدولي، في تقرير تونس ـ الصادر ضمن التقارير الموجزة التي ينشرها البنك عن البلدان ـ من إخفاء حماسه تجاه هذا البلد:

لقد حققت تونس تقدمًا ملحوظا في النمو العادل، من خلال محاربة الفقر وتحقيق مؤشرات اجتماعية جيدة. لقد حافظت على متوسط نمو بمعدل 5% خلال 20 عامًا، مع زيادة مستقرة في دخل الفرد، وزيادة مصاحبة لذلك في الخدمات الاجتماعية المُقدمة للكان، فصار مستوى الفقر بها عند 7%، وهو واحد من أقل مستويات الفقر بالمنطقة.(10)

وبالرغم من أن البنك الدولي بدا  أكثر اعتدالاً في مديح نظام مبارك، فإنه ظل معترًفا ” بتحقيقه لمسار راسخ، كأحد أبطال الإصلاح الاقتصادي في الشرق الاوسط وشمال إفريقيا”.(11) وفي الواقع، يحق لمصر إدعاء ريادة الليبرالية الجديدة في جنوب العالم. ففي 1974، أعلن الرئيس أنور السادات سياسة انفتاح الاقتصاد على الاستثمار الاجنبي والتجارة الدولية، وكان هذا علامة على القطع الجذري مع رأسمالية العهد الناصري الموجهة من الدولة.(12) ودفع مبارك تلك السياسة قدمًاً، فأبرم في 1991 اتفاق برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي مع المؤسسات المالية الدولية. وكان أحد بنوده الرئيسية قانون 96 لسنة 1991، الذي ألغى الحقوق الممنوحة للمستأجرين في ظل الإصلاح الزراعي الذي طبقه الضباط الأحرار عام 1952، وأتاح هذا للملاك القدماء وورثتهم العودة وتجريد أسر الفلاحين من أراضيها. (13)

وبصرف النظر عن حديث نظام مبارك خلال التسعينيات حول أن مصر “نمر على النيل”، إلا أن الاقتصاد المصري والتونسي لم يأتيا “بمعجزة” في ظل الليبرالية الجديدة، وظلا معتمدين بشدة على الحصول على العملات الأجنبية من السياحة وصناعة المنسوجات ـ التي تعاني من ضعف وضعها في مواجهة المنافسة الصينية. وبالرغم من تحقيق هذا النظام بعض النمو، لم يجلب التوجه الليبرالي إلا استقطابًا اقتصاديًا واجتماعيًا شديد الحدة، مما مثَّل ضغوطًا على البنى الكوربوراتية (أي تلك القائمة على إدماج الدولة للمؤسسات) التي أُرسيت في ظل ناصر، ونظيره التونسي الحبيب بورقيبة. وترى آن الكسندر أنه في مصر تحت حكم ناصر:

“قُدم للعمال عقد اجتماعي، في مقابل تنازلهم عن الاستقلال السياسي. ووفقًا لهذا العقد، يصبح بإمكان العمال الحصول على بعض المكاسب، مثل الاستفادة من دعم الإسكان والتعليم والخدمات الاجتماعية الأخرى، والأمان الوظيفي النسبي. كما خلق الخطاب الناصري صورة مثالية للعمال، وخاصة في مرحلته الأخيرة، لمساهمتهم في التنمية الوطنية. ولكن الدولة الناصرية أيضا حطمت منظمات العمال المستقلة، وأسست بدلاً منها اتحادًا رسميًا للنقابات العمالية تحت الإشراف الحكومي.(14)

وتستكمل ألكسندر وجهة نظرها حول الإصلاحات في التسعينيات، بعد القضاء على النظام الناصري، فتقول إنه قد تزايدت مستويات الفقر والظلم الاجتماعي والبطالة. فوفقًا لمنظمة العمل الدولية، عاش 14% من المصريين عام 2010 تحت خط الفقر العالمي ـ دولارين في اليوم.(15) كما قدر أحمد النجار في 2009 أن “العدد الإجمالي للعاطلين عن العمل كان 7.9 مليون، وأن النسبة الحقيقية للبطالة كانت حينها 26.3%، ووصل البعض إلى أن المعدل في المجموعة العمرية من 19 إلى 29 عامًا يزيد على ثلاثة أضعاف هذا الرقم”.(16) وأشار إلى أن تزايد البطالة، وخاصة بين الشباب، يعد مشكلة إقليمية. بل أنه حتى بحث البنك الدولي المفصل تعارض مع العناوين المتفائلة. واعترف أحد التقارير الصادر في تاريخ مثير للانتباه، 15 يناير 2011, أي اليوم السابق على سقوط بن علي بأنه

“يعتبر معدل البطالة بين الشباب في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، البالغ 25%، الأعلى في العالم. ولكن تلك الإحصائيات تُعالج بصورة منعزلة، فلا تدل على الحجم الحقيقي للمشكلة.

وكشف باحثو البنك الدولي أن الرقم الفعلي لمن هم بلا عمل في المرحلة العمرية مابين 15 إلى 29 سنة في المنطقة ربما يرتفع عن ذلك كثيرا. ذلك أن الإحصائيات لا يدخل فيها أشخاص كثيرون، رغم أنهم لا يدرسون ولا يعملون، وذلك لأنهم لم يبحثوا عن عمل.

يعاني الشباب الذكور في الحضر، على نحو خاص، من وضع متردي في سوق العمل، إذ يشتغل كثير من العاطلين منهم في أعمال غير رسمية وغير مسجلة في الدفاتر الحكومية، أو لا يمارسون أن نوع من العمل على الإطلاق.”(17)

ومن ناحية أخرى، كدست طبقة محدودة من ذوي الثراء الفاحش الثروات الضخمة، وتمتعت بنفوذ شديد. إذ كتب جويل بنين عن مصر أن “حاملي حقائب الوزارات الاقتصادية” في حكومة أحمد نظيف، المعين رئيسا للوزراء في 2004، “كانوا من الحاصلين على دكتوراة من الغرب، والتابعين لحاشية جمال مبارك، ابن الرئيس. وعمل هؤلاء على الترويج للموجة الثانية من الخصخصة، ووضع قوانين خاصة بالأجراءات الأخرى لتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر، مثل إلغاء التعريفة الجمركية على آلات صناعة المنسوجات وقطع الغيار الخاصة بها”.(18)  وقد أجبرت ثورة 25 يناير حتى نيويورك تايمز على الاعتراف بالطبيعة الحقيقية لهذه الليبرالية الجديدة.

“على الورق، حولت التغيرات بالكامل تقريبًا، نظامًا اقتصاديًا تسيطر عليه الدولة إلى آخر محكومًا أغلبه من خلال السوق الحرة. ورغم ذلك، فما ظهر عمليًا ـ وفقًا لآراء الخبراء المصريين والأجانب ـ كان شكلاً من رأسمالية المحسوبية. وعملت البنوك التابعة للدولة وكأنها صانعة أباطرة، فتوسعت في تقديم القروض للعائلات المؤيدة للحكومة، بينما منعت الائتمان عن رجال أعمال قادرين على الاستمرار، ولكنهم ليست لديهم صلات قرابة مع اليمين السياسي.

ووفقا لأحمد النجار، مدير وحدة الدراسات الاقتصادية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، باع مسئوليو الحكومة الأراضي المملوكة للدولة بأسعار منخفضة للعائلات المرتبطة ببعضها سياسيًا. وسمحوا أيضا لتكتلات الشركات الأجنبية بشراء الشركات المملوكة للدولة بمبالغ صغيرة، مقابل دفع رشاوى.

وفي الوقت نفسه، كانت الحكومة تلزم المستثمرين الأجانب بتأسيس مشاريع مشتركة مع الشركات المصرية. وشكلت العائلات ذات الصلات الوثيقة مع الحزب الحاكم النصف المصري من المشاريع المشتركة المربحة.”(19)

وأصبح أحمد عز، اعتمادًا على صداقته لجمال مبارك بشكل خاص، رمزًا لرأسمالية المحسوبية المصرية، فتمكن من شراء شركة الصلب المخصخصة بثمن بخس، وانتهى به الأمر إلى السيطرة على ثلثي سوق الحديد المصري. كما أصبح أيضا عضوًا في البرلمان، وأدار حملة بلطجية الحزب الوطني الديمقراطي لتزوير الانتخابات التشريعية بفجاجة في نوفمبر 2010. وكان الطرابلسية المقابل لعز في تونس، وهم أصهار بن علي الذين استخدموا صلاتهم العائلية في تحقيق ثراء فاحش. ووفقا لمنظمة الشفافية العالمية، سيطر بن علي والطرابلسية فيما بينهم على ما يتراوح من 30% إلى 40% من الاقتصاد التونسي، أو حوالي 10 مليارات دولار. واتُهمت ليلى الطرابلسي، زوجة الرئيس السابق، بالفرار إلى جدة ومعها 1.5 طن من السبائك الذهبية في حقائبها.

وهكذا، لم تعن الليبرالية الجديدة في الشرق الأوسط انفصال السلطة الاقتصادية عن السياسية، كما تتضمن الفكرة المجردة للسوق الحر، بل انصهارهما معا. ولم يعد هناك رأسمالية دولة. فقد سمحت العلاقات السياسية لمن هم في القمة بتكديس ثروة خاصة مهولة. وانعكس ذلك بشكل مباشر في إحساس بالظلم الاقتصادي والاجتماعي تجاه شاغلي قمة النظام، حيث أصبح الفساد الذي عم النخب باديًا للعيان.

الأزمة الاقتصادية العالمية تضيق الخناق

كتب جوان كورنبليت وبرونو ماجرو:

“ظهر الضعف البنيوي بكل حجمه مع أزمة 2008. انهار كليا الانتعاش الذي مكن من إحداث طفرة صغيرة. وبالنظر إلى مصر، نجد تحويلات المهاجرين قد انخفضت بنسبة 17% مقارنة بعام 2008، كما تدهورت السياحة أيضًا من الارتفاع بنسبة 24% في 2008، إلى الانخفاض بنسبة 1.1% عام 2009. وانخفضت عوائد قناة السويس بنسبة 7.2% في 2009 مقارنة  بعام 2008، لأن المرور بالقناة انخفض بنسبة 8.2%. وقلت حمولات السلع المنقولة بنسبة 9%. ولم يشذ وضع تونس عن هذا كثيرا: فقد تباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي، إذا كان قد تزايد بنسبة 6.33% عام 2007، ثم تزايد بنسبة 4.5%  و 3.1% في 2008 و 2009 على التوالي، بينما انخفضت الصادرات السلعية بنسبة 25%. ويرجع هذا بدرجة كبيرة إلى انخفاض انتاج المنسوجات والملابس والمنتجات البترولية.(21)

وانعكست الأزمة على الشرق الأوسط في ارتفاع معدل البطالة، وخاصة بين الشباب. ولكن الارتفاع الشديد في أسعار المواد الغذائية لعب أيضا دورًا أكثر أهمية. ففي الفترة السابقة مباشرة على الانهيار المالي في 2008، كان معدل التضخم مرتفعًا بصورة حادة، وخاصة بالنسبة للسلع الأساسية. ويقول هيرمان شوارتز أن هناك نقطة تحول حدثت في تطور الأزمة، عندما توقف الضغط الذي تمارسه الصين باتجاه خفض الأسعارالعالمية، من خلال ضخ سيل من السلع المصنعة بأسعار أكثر انخفاضًا. “فقد ترتب على النجاح التصديري للصينيين أيضا  تحقيق نمو سريع لهم، وزيادة طلبهم على المواد الخام العالمية، وزيادة عرض الصين للعمالة نصف الماهرة. وقد بدأ ارتفاع أسعار المواد الخام عام 2004، بينما بدأ ارتفاع أجور الصينيين عام 2007. وهكذا بدأت الصين في تصدير التضخم بدلاً من تصدير الانكماش.(22)

اقترن الخروج من الركود العظيم في 2008-2009  بارتفاع مماثل في معدل التضخم. ويقول شوارتز أيضا إن زيادة الطلب، خاصة في الصين، والنمو السريع في اقتصادات “السوق الناشئة” في آسيا وأمريكا اللاتينية، لعبا دورًا في تلك السلسلة التضخمية، ولكن تلك السلسلة تضخمت بصورة هائلة بسبب المضاربات المالية. وأضر ارتفاع أسعار المواد الغذائية بفقراء العالم بشدة. وكما قال شوسودوفسكي:

“ومن 2006 إلى 2008، كان هناك تصاعد درامي في أسعار كافة المواد الغذائية الرئيسية بما فيه الأرز والقمح والذرة. فتضاعف سعر الأرز ثلاث مرات خلال خمس سنوات، من حوالي 600 دولار للطن في 2003، إلى أكثر من 1800 دولار للطن في مايو 2008. وتميز التصاعد الذي حدث مؤخرا في أسعار الحبوب الأساسية بقفزة قدرها 32% في الرقم الذي سجله المؤشر المركب لأسعار الغذاء الخاص بمنظمة الأمم المتحدة للغذاء والزراعة، في النصف الثاني من 2010.”(23)

وعلى سبيل المثال، كان نقص الخبز وزيادة تكلفته عنصرًا مهما في موجة الإضرابات التي اجتاحت مصر في 2006 وما بعدها، مما مهد الطريق لثورة 25 يناير. كما تواصل احتجاج متظاهري الشوارع في منطقة الشرق الأوسط على ارتفاع تكاليف المعيشة إلى جانب انفراد النخبة بالامتيازات. وأشار العربي صديقي ـ في كتاباته حول الانتفاضة التونسية التي اندلعت نتيجة انتحار محمد بوعزيزي، وأطاحت ببن علي ـ بصورة دراماتيكية إلى الوضع  القابل للانفجار الذي تطور في المنطقة:

“ما ينبغي أن يقلق خبراء الأمن الغربيين بشأنه، ليس القرآن ولا سيد قطب ـ الذي اتُهم غيابيًا بالتحضير لأحداث الحادي عشر من سبتمبر بصرف النظر عن وفاته عام 1966. ربما ينبغي عليهم شراء كتاب “رأس المال”، والاستعانة بكارل ماركس من أجل فحص الواقع، وإعادة التفكير، واكتساب جرعة من الرصانة في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، المصاب بالإفراط في التركيز على الجانب الأمني.

من تونس والجزائر في المغرب، إلى الأردن ومصر في المشرق، يظل الإرهاب الحقيقي الذي يقتات على ثروات البلاد، وتخريب المجتمعات والطقوس المتعارف عليها في المجتمعات، بما فيها الزواج، هو إرهاب التهميش الاجتماعي الاقتصادي.

إن جيوش العاطلين بالمغرب العربي ـ الذين ينظمون مسيرات في الشوارع والأحياء الشعبية في مدينة الجزائر والقصرين من أجل الخبز، وقد تنتقل غدًا إلى عمان والرباط وصنعاء ورام الله والقاهرة وجنوب بيروت ـ لا تقاتل ضد إرهاب البطالة بواسطة الإيديولوجيا. إنهم ليسوا في حاجة إلى ذلك. والآن، تتمثل أسلحتهم في الاحتجاجات السلمية العفوية، وتوجيه الأذى إلى النفس. إنهم “بؤساء” العالم الحديث.”(24)

ولكن يهمنا التأكيد على أنه بصرف النظر عن اختلاف الآليات الاقتصادية والسياقات السياسية، فإن الشرق الأوسط ليس المنطقة الوحيدة التي يترتب على الإزمة بها نضالات واضحة. فقد أثار انتشار سياسة التقشف في أوربا مقاومة كبيرة عام 2010، امتدت من الإضرابات العامة في اليونان، إلى انتفاضات الطلبة في بريطانيا. كما انعكست في القضاء شبه الكامل على “حزب فيانا فيل” التاريخي في أيرلندا الجنوبية، في الانتخابات العامة في فبراير 2011، مما أتاح الفرصة أمام “حزب شين فين” وتحالف اليسار الموحد لأن يصيرا المعارضة الرئيسية لحكومة ائتلاف “حزب فين جيل” – “حزب العمل”، وهو علامة أخرى على أن الوضع لا يمكن النظر له باعتباره “ركودًا سياسيًا”.

ولكن واحدًا من أهم التطورات السياسية هذا العام كان الظهور المفاجئ لحركة جماهيرية في ويسكنسون، تهدف إلى قطع الطريق على توجه المحافظ سكوت ووكر نحو خفض وظائف القطاع العام وتقليص البقية الباقية من حقوق التفاوض الجماعية لعمال قطاع الدولة. وكان هذا التوجه نتيجة مباشرة للنجاح الكاسح لحركة حزب الشاي في تأمين موقف الجمهوريين في الانتخابات النصفية هذا الخريف. والآن، يستقر أعضاء الجناح اليميني من أمثال ووكر المستقرين في المجالس التشريعية بالولايات- وفي الكونجرس بواشنطون- ويسعون إلى تحقيق أحلام حركة حزب الشاي العريضة في تقليص “الحكومة كبيرة الحجم”. ووفقًا لما يتوقعه ميجان تروجل بالنسبة لموضوعنا هذا، فقد ينعكس ذلك في استقطاب اجتماعي وسياسي كبير، ليس فقط في واشنطون، ولكن أيضا في ولايات الغرب الأوسط، الأخرى حيث تجري هجمات مماثلة على القطاع العام والنقابات العمالية.(25)

ويشير الفرق بين المظاهرات الضخمة التي تحاصر مقر الحكم في ماديسون، وويسكونسين والحشود الصغيرة نسبيا التي باستطاعة حركة حزب الشاي إثارتها كرد فعل، إلى المشكلات التي يمكن أن يواجهها التقشف العدواني- الذي بدأه الجمهوريون، وتبناه أيضا باراك أوباما بشروط أكثر اعتدالاً. وأوضح استطلاع للرأي أجراه معهد جالوب أن 61% من الأمريكيين يعارضون خطة ووكر. ويتضمن هؤلاء 74% من الذين يبلغ دخلهم أقل من 24000 دولار سنويًا، و63% من الذين يتراوح دخلهم من 24000 و 59000 دولار سنويًا، و53% من الذين يتراوح دخلهم من 60000 إلى 89000 دولار سنويًا. لكن 50% من الذين يكسبون أكثر من 90000 دولار سنويًا يوافقون على هذه الخطة. وعلقت مدونة واشنطون بوست على ذلك بأن هذه الأرقام توضح أن استهداف استراتيجية الجمهوريين لعمال القطاع العام باعتبارهم “ملكات الرفاه” الجدد، قد يؤدي إلى نتائج عكسية:

“اعتقد أنه يحق لنا التكهن بأن تركيز مشروع ووكر على سحب حقوق التفاوض التي كانت قائمة لفترة طويلة، واهتمام وسائل الإعلام الكبير به، قد يعيد صياغة النقاشات وتركيز انتباه الرأي العام على الطريقة التي سيقضي بها ذلك على ميزة سابقة مرتبطة بهذا الحق بشأن موضوعات يشترك فيها الموظفون العموميون. ولا يعني هذا أن اليمين لم يعد متفوقًا من بعض الأوجه. وربما يحقق ووكر فوزًا كبيرًا في النهاية. ولكن من الواضح أن المشهد اختلف على نحو غير متوقع.”(26)

وفي الوقت الراهن، تختلف الحركة الصاعدة لمناهضة إجراءات التقشف في الولايات المتحدة عن الانتفاضات العربية. ليس فقط لأن هامش البقاء على قيد الحياة في أمريكا أكبر منه بكثير في العالم العربي، ولكن أيضا بسبب وجود بنى الوساطة ـ وخاصة الحزب الديمقراطي وبيروقراطية النقابة العمالية ـ التي يؤدي غيابها في العالم العربي إلى تضييق فرص المناورة المتاحة للطبقات الحاكمة في مواجهة الانتفاضات الجماهيرية. ومع ذلك، وبصرف النظر عن الاختلاف في الجيولوجيا السياسية والاجتماعية المحلية، تؤدي الهزات الناجمة عن الأزمة أيضا إلى شعور العالم كله بها.(27)

أزمة بالنسبة للغرب

هناك لحظات في التاريخ، تنتشر فيها الثورة في منطقة ما، أو في انحاء العالم مثل النار في الهشيم. ولا تتكرر مثل هذه اللحظات كثيرًا. وتتضمن الأمثلة الحاضرة منها ما حدت عام 1848، عندما اجتاحت الثورة التي بدأت في فرنسا كل أوروبا، وعام 1968، حينما اكتسحت العالم مظاهرات ما يمكن أن نسميه اليسار الجديد، فشهدت مكسيكو سيتي وباريس ونيويورك ومئات من المدن الأخرى ثورات مناهضة للحرب نظمها الماركسيون والراديكاليون الآخرون. وشهدت براغ السوفيت يطيحون بالحكومة اليسارية الجديدة. بل ويمكننا حتى تضمين ثورة الصين الثقافية الكبرى في هذا الإطار إذا وسعنا منه. وفي 1989، شن الألمان الشرقيون الراغبون في اللحاق بالغرب، موجة إضرابات، أسفرت عن ثورة في أوروبا الشرقية أطاحت بالحكم السوفيتي. ونتج عن ظروف اجتماعية وسياسية مشابهة أحداث مماثلة، حفزها نموذج حدث في إحدى البلدان، ثم انتشرت على نحو أكثر اتساعًا. وهذا ما حدث عام 2011، ومازال متواصلاً.(28)

وقائل هذه الكلمات ليس واحدًا من الماركسيين، بل جورج فريدمان، مؤسس موقع “المخابرات الاستراتيجية” الأمريكية الإلكتروني، ستارتفور. ويبرر نطاق الثورات والتمردات في العالم العربي إجراء مثل تلك المقارنات. ولكن هناك اختلاف مباشر يفصل بين 2011 وأقرب حالة سابقة عليها، وهي 1989, وهي الثورات التي أزاحت الأنظمة الستالينية في شرق ووسط أوروبا بدعم من الرأسمالية الغربية عمومًا، والإمبريالية الأمريكية خصوصًا. وعلى العكس من ذلك، تُعتبر الثورات العربية- وأولها الثورة المصرية- خنجرًا موجها إلى قلب الإمبريالية الأمريكية.

وشرح فريدمان السبب في ذلك جيدًا:

“عندما كانت مصر دولة حليفة للسوفييت في عهد ناصر، اختلف العالم عما كان عليه قبل ناصر. وعندما غيَّر السادات سياسته الخارجية، تغير العالم معها. ولو تغيرت سياسة السادات الخارجية، لتغير العالم مرة أخرى. مصر واحدة من تلك البلدان التي لا تهم سياساتها الداخلية مواطنيها فقط.”(29)

مصر هي أكبر دولة في العالم العربي، وتعتبر القاهرة عاصمة ثقافية له. ويعني موقع مصر الجغرافي المتميز، عند نقطة اتصال المغرب والمشرق والخليج وأفريقيا جنوب الصحراء، أنه عندما يحدث بها تغير، تُستشعر آثاره على شكل موجات تعم رقعة واسعة جدًا. فلم تُطلق ثورة عبد الناصر من أعلى ومواجهته للإمبريالية الغربية موجة القومية العربية فقط، ولكنها ساعدت على خلق حضور للعالم الثالث ككيان سياسي ـ دول ما بعد الاستعمار (وفقًا لفهم فريدمان) التي رفضت الاصطفاف كلية إلى جانب أمريكا أو الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة.

وعلى نحو مشابه، عندما أحدث السادات تحولاً في مصر في بداية السبعينيات، كان بالإمكان الشعور بأثر هذا التحول على نطاق واسع للغاية. ولم يقتصر التحول على الجانب الاقتصادي فقط، أي الانفتاح. كانت الثورة الجيوسياسية التي كرستها معاهدة السلام التي وقعها السادات مع إسرائيل في مارس 1979، وأدت إلى انسحاب إسرائيل من سيناء على القدر نفسه من الأهمية – إن لم يزد. ففي العقود الثلاثة السابقة على ذلك، خاضت مصر أربع حروب مع إسرائيل، وأخذت إسرائيل على حين غرة في آخر هذه الحروب: أكتوبر 1973. ولقد أمن السلام مع مصر الضلع الجنوبي لإسرائيل. ووفقا لوجهة نظر نعوم تشومسكي، “استُبعدت القوات المسلحة المصرية تماما من الصراع العربي  الإسرائيلي، وبالتالي يمكن لإسرائيل تركيز انتباها (وقواتها المسلحة) على المناطق المحتلة والحدود الشمالية”. وسمح السلام الذي استمر جيلاً في سيناء، لقوات الدفاع الإسرائيلية بشن الحرب على لبنان وغزة.(30)

وأصبحت مصر في ظل حكم السادات ومبارك ـ إلى جانب إسرائيل والسعودية ـ قاعدة نظام التحالفات التي احتفظت أمريكا بواسطتها على هيمنتها في الشرق الأوسط. وأثبت نظام مبارك قيمته لواشنطن بأكثر من طريقة: المساعدة في تنسيق التحالف ضد صدام حسين في حرب الخليج عام 1991؛ والتعاون الاستخباراتي ضد الإسلاميين (كشفت برقيات ويكليكس مدى تقدير السفارة الأمريكية في القاهرة لعمر سليمان رئيس مخابرات مبارك ونائب الرئيس لفترة وجيزة)؛ وعمليات الترحيل السري من أجل التعذيب في السجون المصرية (ويبدو أن لعمر سليمان أياد، بالمعنى الحرفي للكلمة، في تنفيذ ذلك) (31)؛ والحفاظ على حصار غزة. وفي المقابل، حصلت القوات المسلحة المصرية، التي ظلت تمثل قاعدة للنظام، “ريعًا استراتيجيًا” مقداره 1.3 مليار دولار في شكل معونة عسكرية من الولايات المتحدة.

ولكن الارتباطات بين الغرب والديكتاتوريات العربية أوسع بكثير من محور أمريكا – مصر، رغم أهمية هذا المحور. وقد انكشف الكثير منها نتيجة كم الفضائح الهائل التي أظهرته الثورات. أبرز ضحية حتى الآن ميشيل إليو ـ ماري، التي أُقيلت كوزيرة للخارجية الفرنسية بعد افتضاح علاقتها الوثيقة مع نظام زين العابدين بن علي. ووردت في لوموند تعليقات (ربما بكثافة اكثر مما ينبغي) حول تورط  إليو ـ ماري، في صفقات ملكية عقارية تونسية من خلال والديها المسنين.

“وإذا نظرنا للأمر من جهة تونس، لبدت قصة ميشيل إليو- ماري مشكلة تافهة غالبًا. ففي عهد بن علي، كان العلاقات الشخصية بين المسئولين الفرنسيين والتونسيين أمرا متكررًا في الواقع، وبالتالي مألوف، حتى أنها أصبحت جزءًا من الحياة اليومية للتونسيين. ويقول رضا كيفي محرر الجريدة  الإلكترونية كابيتاليست التي تصدر من  العاصمة التونسية، إنه في العشرين سنة الأخيرة، كان ” تأييد الديكتاتور في فرنسا عرفًا”. وإذا كانوا وضعوا يدهم على “السيدة”، فذلك لأنها، مثل كثيرين غيرها، أفسحت الطريق لمناخ تواطؤ مستقر تم تأسيسه بين باريس وتونس.”(32)

وعلى عكس ذلك، انخرطت بريطانيا وأمريكا في جهود مكثفة لكسب ود ليبيا ـ وهذه ليست مرشحة واعدة فيما يخص إعادة الهيكلة الليبرالية الجديدة ـ بمجرد تفاهم القذافي معهما عام 2003. وتضمن هذا تشويه سمعة “كلية لندن للاقتصاد” واسم رالف ميليباند من خلال تطوير علاقة خاصة بين “مركز الحكم العالمي” التابع لبورصة لندن مع سيف الإسلام القدافي.(33) وقال انتوني جيدوينز، المدير السابق لمركز الحكم العالمي ومُنظِر “الطريق الثالث” بعد رحلة قصير لليبيا في 2007: “هل سيتاح لليبيا أن تحرز تقدمًا حقيقيًا فقط إذا غادر القذافي المشهد؟ اعتقد أن العكس هو الصحيح… وتصوري عن المستقبل النموذجي لليبيا خلال عقدين أو ثلاثة، أنها سيكون لها وضع النرويج في شمال أفريقيا: الازدهار والمساواة والتطلع إلى التقدم”.(34)

ولكن الدفع من أجل إدماج نظام القذافي في الاقتصاد العالمي ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير. ففي العام نفسه، ذكرت مجلة “بزنس ويك” أن مايكل بورتر، خريج هارفارد بزنس سكول ومؤلف “الميزة التنافسية للأمم” كان ضمن مشروع نظمته جماعة بوسطن الاستشارية “من أجل تأسيس نخبة مهتمة بمساعدة الشركات” في ليبيا.(35) وكان فرانسيس فوكوياما وريتشارد بيرل وروبرت بوتنام وجوزيف ناي وبنيامين باربر من بين كبار المثقفين الأمريكيين الذين نجحت الجماعة الاستشارية في حشدهم من أجل الطواف بطرابلس وتبادل الثرثرة مع القذافي.(36)

ربما يساعد العمق الكبير للتورط الغربي، حتى مع الديكتاتورية العربية صاحبة التاريخ الطويل في مواجهة أمريكا وحلفائها، في تفسير الحدة التي استخدمها باراك أوباما وديفيد كاميرن في التنديد بالقذافي بمجرد بدء الثورة ضده – وربما أيضا السرعة التي كان بها كاميرون على استعداد لحمل راية “التدخلية الليبرالية” التي فقدت مصداقيتها بسبب صلتها بمغامرة جورج بوش وتوني بلير العسكرية في العراق. فمن خلال المساعدة في إطلاق رصاصة الرحمة على القذافي، ربما استطاعت القوى الغربية اكتساب نفوذ لها في دولة مهمة منتجة للبترول، ولكن أيضا تحقيق شيئًا من المصداقية بتأييد النضال الديمقراطي في العالم العربي في آخر لحظة.

وكان تدفق الكلمات الرنانة حول التدخل الإنساني و”المسئولية عن الحماية” لافتًا للنظر، كما لو أن كارثتي العراق وأفغانستان لم تحدثا قط. ينبغي أن يكون سجل القوى الغربية في التحالف مع الديكتاتوريات العربية كافيًا لإثبات أن تدخلها في ليبيا لا يهدف إلى تأييد الثورة، بل إلى إعادة بناء هيمنتها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ولكن أمام هذه القوى مهمة عسيرة، تتعلق بإعادة بناء مصداقيتها في العالم العربي. فقد كشف المسح الذي أجراه مشروع بيو لاستقصاء المواقف العالمية في عام 2010  حول مواقف الشعوب من أمريكا، أن مصر في آخر الجدول، وأن 17% فقط من المصريين كان لديهم موقف إيجابي تجاه أمريكا، في حين كانت النسبة نفسها 30% عام 2006، عندما تم استطلاع المواقف في مصر لأول مرة (والمثير أن كلاً من تركيا وباكستان تسجلان النسبة المنخفضة نفسها: 17%).(37)   ورغم الوعود التي قطعها كل من الجيش المصري والإخوان المسلمون حول بقاء اتفاقية السلام مع إسرائيل كأمر مقدس، فأي حكومة مصرية قادمة- حتى تقلل المعارضة قدر الإمكان – ستكون أكثر استجابة للرأي العام مقارنة بأيام مبارك، وسوف تكون أقل إذعانًا للرغبات الأمريكية.

وأظهر واضعو السياسة في أمريكا وعيًا بحدود قوتهم، وهو ما عاد إلى جراح هزيمة العراق والأزمة الاقتصادية، والقلق بسبب النهضة الصينية السريعة. فبعد أسبوعين من سقوط مبارك، اختار روبرت جيتس، وزير الدفاع المنتهية ولايته، منطقة ويست بوينت، المكان الذي عرض فيه جورج بوش في يونيو 2002  خطوط  “تعاليمه” الرئيسية التي تؤكد حق أمريكا في شن هجوم وقائي، ليقول من هناك :” أرى أن أي وزير دفاع مقبل ينصح الرئيس مرة أخرى بإرسال قوات برية أمريكية كبيرة إلى آسيا، أو أي مكان في الشرق الأوسط، أو إفريقيا “لابد من الكشف على قواه العقلية”، كما قرر الجنرال ماك أرثر بتروي شديد”.(38)

وأسرع جيتس أيضا في صب الماء البارد على حديث كاميرون، المختصر على نحو مخل، حول فرض منطقة لحظر الطيران فوق ليبيا. ورغم تأييد إدارة أوباما في نهاية المطاف لقرار مجلس الأمن بإجازة استخدام القوة ضد القذافي، كان من الواضح أن أمريكا ليست لديها شهية كبيرة للتدخل العسكري في ليبيا. وربما كان التغيير في موقف أوباما بمثابة تعويض عن قبوله شن حملات دموية ضد المحتجين في البحرين واليمن. ويُعبِّر التدخل في البحرين ـ الذي حدث بمبادرة من السعودية ـ عن رفض إمارات الخليج الجماعي للسياسية الأمريكية بالترحيب بالحركات الديمقراطية، واستخدامها في نشر “الإصلاحات” الليبرالية الجديدة ـ وهي سياسة تبنتها أمريكا بسبب ضعفها. وعلقت فاينانشيال تايمز على الكلمة التي ألقاها جيتس على النحو التالي:

“بعد عشر سنوات من الحرب، تُعتبر الولايات المتحدة اليوم دولة مختلفة، إذ تكافح الأرقام التي تشير إلى العجز، وتعاني من “تدخل منهك”، وفقا لما ذكره ريتشارد هاس رئيس مركز بحوث مجلس العلاقات الخارجية.

وفي مثل هذا السياق، يبدو تصريح جيتس، حول الجنون الذي يتضمنه أيفاد قوات برية أمريكية إلى ما وراء البحار، معبرًا عن الفطرة السليمة لا أكثر. إذ قال أرون ديفيد ميللر، المسئول السابق بوزارة الخارجية “إنه اعتراف نادرا جدا، بشيء كل ما فيه صحيحًا تمامًا، ولكنه يندر للغاية صدوره عن شخص له مثل هذه المكانة.”(39)

ويتناقض الحذر الأمريكي مع الهلع الإسرائيلي. ذلك أن المخاطر المحتملة التي قد تترتب على ثورة 25 يناير تهدد وضع إسرائيل الاستراتيجي بدرجة كبيرة. فبعد سقوط مبارك، قال رئيس مركز أبحاث إسرائيلي “ما تعرض للانهيار كان مجرد مجمل بنينتا التحليلة فقط “.(40) وقال آري شافيت، الكاتب الصحفي في جريدة هاآرتس، التي يفترض أنها اليبرالية، وهو يشتعل غضبًا بينما كان في واشنطون:

وتنعكس رؤية جيمي كارتر للعالم على الموقف الذي يتبناه الغرب: الخضوع للمستبدين الظلاميين والتخلي عن المعتدلين إذا كانوا ضعفاء، خيانة كارتر للشاه [اثناء الثورة الإيرانية في 1978-1979] جلبت علينا آيات الله، وسوف تأتي لنا في أقرب وقت بأيات الله المزودين بالسلاح النووي. ولن تكون عواقب خيانة الغرب لمبارك أقل حدة وخطورة. هي لم تكن مجرد خيانة لقائد موال للغرب، عمل من أجل الاستقرار ودعم الاعتدال، بل خيانة لكل حليف للغرب في الشرق الأوسط والدول النامية. الرسالة واضحة وصريحة: كلمة الغرب لم يعد لها قيمة على الإطلاق؛ والتحالف مع الغرب لا قيمة له على الإطلاق. ببساطة لقد أفلت الأمر من يد الغرب، وانتهى دوره كقوة قائدة داعمة للاستقرار في انحاء العالم.

سيترتب على لثورة الحرية العربية تغييرًا جوهريا في الشرق الأوسط. كما سيؤدي تسارع تراجع الغرب إلى تغيير العالم. وسيؤدي هذا التغيير إلى عديد من النتائج، تتمثل من ناحية في صعود الصين وروسيا وقوى إقليمية مثل البرازيل وتركيا وإيران، ومن ناحية أخرى في حدوث سلسلة من الانفجارات في العالم نتيجة فقدان الغرب قوته الرادعة. ولكن هناك نتيجة شاملة، وهي أن انهيار هيمنة حلف شمال الأطلنطي لن يستغرق عقودًا، بل سنوات. فالآن، عندما تنهي أمريكا أمر مبارك ، فهي تقضي أيضا على قوة كانت تمتلكها. في ميدان التحرير بالقاهرة، يخبو زمن الهيمنة الغربية.(41)

على منحدرات الثورة

يفضح الصخب الشديد الذي يستنكر به شافيت خوف إسرائيل، الدولة الخاضعة لرعاية القوة الإمبريالية، من أن “تخونها” راعيتها في يوم من الأيام أيضا. وأعرب طارق علي عن حكم أكثر دقة حين قال: “تراجعت الهيمنة الأمريكية في المنطقة، ولكنه يتم القضاء عليها. فمن المرجح أن تكون أنظمة ما بعد الاستبداد أكثر استقلالاً، لها نظام ديمقراطي حديث النشأة، وغير مستقر في مواجهة التخريب، وبأمل أن يكون لديها دساتير جديدة تهتم بتلبية الحاجات الاجتماعية والسياسية. ولكن الجيش في مصر وتونس سوف يضمن عدم حودث مغامرات”.(42)

يتطلب منا تقييم هذا الحكم تركيز الاهتمام على الثورات نفسها بشكل أدق. بأي معنى يمكن لهذه الانتفاضات أن توصف بأنها ثورات أساسًا؟ نعلم ما كتبه تروتسكي في مقدمة تأريخه العظيم للثورة الروسية: “يعد تاريخ الثورة بالنسبة لنا قبل أي شيء، تاريخ اقتحام الجماهير مجال تحكمها في مصيرها”.(43) وفقا لهذا المعيار، يمكن تماما النظر إلى ما حدث في تونس ومصر وليبيا باعتباره ثورة. فد نشأت كل الأحداث نتيجة مبادرات جماهيرية من أسفل: وفي مصر قبل غيرها، يشهد التنظيم الذاتي العظيم في ميدان التحرير بذلك أمام العالم أجمع.

ووفقا لشمس الدين مناصري في مقالته حول تونس، الواردة في موقع آخر من هذه المجلة،  فإن قولنا إن تلك الثورات استندت إلى التنظيم الذاتي للجماهير لا يعني أنها خلت من العفوية. وكما هو متوقع، نجد تصورًا أكثر تشددًا من هذه الرؤية، عند مايكل هاردت و توني نيجري:

حتى ولو قلنا أن تلك النضالات “الثورات” ضللت المعلقين الذين افترضوا أن تطور الأحداث من شأنه أن يتبع منطق ما جرى في 1789 أو 1917، أو بعض التمردات التي حدثت في الماضي ضد الملوك والقياصرة في أوروبا.. ويتشابه تنظيم الهبات مع ما شاهدناه منذ أكثر من عقد في أجزاء أخرى من العالم، من سياتل إلى بيونس إيرس وجينوا وكوتشابامبا في بوليفيا: شبكة أفقية ليس بها قائد مركزي فرد. وتستطيع جماعات المعارضة التقليدية المشاركة في هذه الشبكة، ولكن غير مسموح لها بتوجيهها.. الحشود قادرة على تنظيم نفسها دون مركز- إذ أن فرض زعيم ما أو الخضوع لاحتواء منظمة تقليدية من شأنه القضاء على نفوذها. (44)

ورغم حرص هاردت ونيجري على أعلان أن ما حدث كان شيئًا جديدًا، رفضا وصفه بالثورة، إلا أن ملحوظة انطونيو جرامشي عام 1930 تنطبق تمامًا على طرحهما: “لابد من تأكيد أن  العفوية ’النقية‘ غير واردة في التاريخ… إذ تتمثل الحركة ’الأكثر عفوية‘ ببساطة في الحالة التي لا يمكن الوقوف على عناصر ’قيادتها العفوية‘، إذ لا تترك أي وثيقة يمكن الاعتماد عليها”.(45) وفي الحقيقة، يمكن تمامًا الوقوف على “عناصر ’قيادة واعية‘ في الثورات العربية الحالية. وهكذا في تونس، حتى رغم أن قيادة الاتحاد التونسي العام للشغل (UGTT) كانت حبيسة داخل النظام، إلا أن النقابات التابعة له والنقابات الإقليمية، والتي أصبحت مقاومة بصورة متزايدة خلال العقد الماضي، قامت بدور في الانتفاضة المتصاعدة، بفعل انتشارها  في أنحاء البلاد. ودفعت تلك النقابات القادة التنفيذيين إلى الدعوة إلى إضراب عام في 14 يناير.(46)

تم التحضير لثورة 25 يناير المصرية خلال عقد من الحركات- تضامنًا مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وضد حرب العراق، ومن أجل تحقيق الديمقراطية في مصر. وتُوج هذا بموجة إضرابات وصفها بينين بأنها “أكبر حركة اجتماعية مصرية شوهدت خلال مايزيد على نصف قرن. إذ اشترك أكثر من 1.2 مليون شخص من العمال وأسرهم في عدد من أشكال العمل العمالي”.(47) ونظم “يوم الغضب” الأول في 25 يناير النشطاء الذين كانوا منخرطين في تلك الحركات – حملات حقوق الإنسان، والليبراليون، وناصريون، ويساريون واشتراكيون ثوريون. وبمجرد تقدم المواجهة في ميدان التحرير، التحقت بهم كوادر الشباب في الإخوان المسلمين، رغم أن القيادة الرسمية كانت مازالت متحفظة.

بالطبع، لا يوجد تفسير لانطلاق انتفاضة جماهيرية نتيجة مظاهرات 25 يناير التي بادرت بها ونظمتها دوائر ضيقة للغاية من النشطاء، في حين أن عددًا كبير من الاحتجاجات السابقة التي دعا إليها الوسط نفسه لم تجذب سوى مئات، أو على أحسن تقدير آلاف. وربما ساعد في في تبرير الاختلاف، مجرد تراكم المظالم، ونموذج تونس القريب، إلى جانب تأثير انتخابات نوفمبر 2010، وتزويرها الفاضح لدرجة انسحاب المعارضة الإسلامية والناصريين الذين نجحوا في الانتخابات. ولكنه لا يوجد جديد في كونها ثورة غير متوقعة: فمن المعروف أن سقوط القيصر في فبراير 1917 أدهش لينين. ولم تكشف دينامية الأداء الثوري المصري عن تمرد عفوي لحشود لا مركز لها، بل عما أطلق عليه جرامشي “عملية ديالكتيكية، تتضمن الحركة العفوية للجماهير الثورية، والإرادة المنظمة والموجهة للتجمع من المركز”.(48)

وبالنسبة لحالة الانتفاضة المصرية في بدايتها، كان “المركز” صغيرًا جدًا وغير متجانس سياسيًا. ويتمثل الجانب الوحيد الذي تتوافق فيه نظرية هاردت ونيجري حول الجمهور مع الثورات العربية في أن الحركات التي أدت إليها، على الأقل في البداية، كانت نسبيًا غير متمايزة اجتماعيا وسياسيا. ولكن هذه أيضًا تُعتبر سمة شائعة في المراحل المبكرة من الثورات. وهذا يبرر أيضا المضمون المحدود للانتفاضات- القضاء على الحكام المستبدين والأنظمة التي يرأسونها.

كتب تروتسكي: ” يعرف التاريخ… ليس فقط الثورات اجتماعية، التي تستبدل الأنظمة الإقطاعية بأخرى برجوازية، ولكن أيضا الثورات السياسية، التي لا تهدم الأسس الاقتصادية للمجتمع، بل تزيح فقط الغلاف الخارجي البالي الحاكم (1830 and 1848 in France, February 1917 in Russia, etc)”.(49) وما نراه حتى الآن في العالم العربي عبارة عن ثورات سياسية وليست اجتماعية، وفوق ذلك، فالثورات الناجحة منها حتى لم تقض على النظام، بل أزاحت الحاكم فقط. ولذلك جاء رد فعل جورج فريدمان الساخر في البداية حول سقوط مبارك:

ماحدث لم يكن ثورة. فلم تؤدي المظاهرات على الإطلاق إلى سقوط مبارك، ناهيك عن النظام. ماحدث كان انقلابًا عسكريًا استخدم الاحتجاجات كغطاء لإجبار مبارك على ترك السلطة للحفاظ على النظام. فعندما اتضح في 10 فبراير أن مبارك لن يتنحى طوعا، رتب الجيش ما يساوي الانقلاب لإجباره على الاستقالة. وبمجرد إجبار مبارك على ترك السلطة، استولى الجيش على السلطة من خلال تشكيل المجلس العسكري والتحكم في الوزارات الأساسية. وقد كان الجيش يشكل دائمًا مركز النظام. وماحدث في 11 فبراير أن تولى الجيش السيطرة بصورة مباشرة.(50)

ولعل بذرة الحقيقة فيما قاله فريدمان هي تدخل الجيش للتخلص من الرئيس ومحاولة استعادة الضبط والربط  في كل من تونس ومصر. علاوة على ذلك، جاء سقوط مبارك أتى على خلفية نزاعات حدثت بينه وبين الجيش حول من يخلفه في الرئاسة. ففي سبتمبر 2008 ذكرت مارجرت سكوبي، سفيرة أمريكا في مصر، في برقيتين كانتا ضمن برقيات ويكيليكس:

“تتفق مصادرنا على أن قاعدة نفوذ جمال مبارك، ابن الرئيس، تركزت في مجتمع رجال الأعمال، وليس في الجيش. قال (س) إن ضباطا أخبروه مؤخرًا أن الجيش لن يؤيد جمال إذا مات مبارك وهو في السلطة، وأن الجيش سوف يستولى على السلطة بدلاً من السماح لجمال بخلافة والده. وبالرغم من ذلك، يتفق المحللون على أن الجيش سوف يسمح لجمال بتولي السلطة من خلال الانتخابات، إذا بارك الرئيس مبارك العملية ونقل لجمال مقاليد السلطة فعليًا. ومن وجهة نظر (س)، بعدما أصبح جمال نشيطًا في الحزب الوطني الديمقراطي في 2002، منح النظام الإصلاحيين في مجلس الوزراء عام 2004 سلطات بداية عمليات للخصخصة دعمت رجال الأعمال الأثرياء القريبين من جمال. ووفقا لتقدير (س)، كان هدف النظام خلق قاعدة نفوذ لجمال، تستند إلى رجال الأعمال في الحزب الوطني الديمقراطي، لتعويض افتقار جمال لموافقة الجيش عليه. وزعم أن النتيجة الطبيعية الضرورية لهذه الاستراتيجية هي إضعاف النظام للنفوذ الاقتصادي والسياسي للجيش، حتى لا يستطيع سد طريق للرئاسة على جمال.” (51)

وأشار جلبير أشقر إلى أن نفوذ الجيش كمؤسسة في مصر وتونس أتاح للطبقات الحاكمة وقوى الإمبريالية الغربية فرصة المناورة التي كانت تفتقدها في ليبيا. ففي حالة ليبيا، نتيجة لاتباع القذافي سياسة تفريغ أجهزة الدولة، وحكمه الاستبدادي العائلي شديد الشخصنة، أصبحت هناك ضرورة لتمرد مسلح وتدمير الدولة القائمة حتى يمكن تنحيته.(52) وفي الواقع، تبنت الأنظمة الديكتاتورية العربية صيغًا سياسةً متنوعة، تتراوح بين الأنظمة المركبة والمؤسسية تمامًا مثل مصر، التي أتاحت في السنوات الأخيرة بعض المساحات للمعارضة الشرعية، وبين أشكال أكثر استبدادية وشخصنة، تجمع في معظم الأحوال بين عائلة سلطانية وقاعدة اجتماعية طائفية. ويمكننا أن نجد الشكل الأخير في السعودية، الذي تنتقل فيها الملكية بين الأبناء المسنين لأبن سعود، وتستمد شرعيتها من التصور الوهابي للمذهب السني في الإسلام. ونجد النموذج الآخر لهذا الشكل في سوريا “الجمهورية”، حيث انتقلت الرئاسة بنجاح من الأب إلى الابن، ويتم الحفاظ على استمرارها بواسطة الأقلية التابعة للطائفة العلوية، من المذهب الشيعي في الإسلام.

وكما يتضح في ليبيا، يرجح أن يكون الحكم الاستبدادي العائلي أكثر استعصاء. فقد قال الأمير نايف وزير الداخلية السعودي للإصلاحيين عام 2003: “ما حصلنا عليه بالسيف سوف نحافظ عليه بالسيف”.(53) وبلغ قلق الملك عبد الله من الحركات الشعبية في البحرين واليمن المجاورتين له ـ ومن بدايات التعبير عن المعارضة داخل مملكته ـ إلى حد إعلانه بعد عودته من فترة النقاهة في 23 فبراير أنه سيدفع بمبلغ 36 مليار دولار أمريكي في “استثمارات اجتماعية”.(45) ولكنه في 14 مارس، دخل الحرس الوطني السعودي البحرين، بعد أن تغلب المحتجين على شرطة الشغب المحلية.

وتحتفظ الاختلافات بين أشكال الدولة، والانقسامات داخل الأنظمة أيضا، بأهميتها في تحديد شروط إمكانيات التغيير في البلدان المختلفة.  ولكن ذلك لا ينفي حقيقة أن العنصر الحاسم في الثورات العربية كان، ودعونا نكرر كلمات تروتسكي، “اقتحام الجماهير مجال تحكمها في مصيرها”. ويضيف تروتسكي:

“لا تمضي الجماهير إلى الثورة ومعها خريطة مُعدة سلفًا حول إعادة البناء الاجتماعي، ولكن تكون محملة بشعور قوي أنها أصبحت غير قادرة على تحمل النظام القديم… وتتشكل العملية السياسية الأساسية للثورة من الإدراك التدريجي الذي يأتي نتيجة لنوع المشاكل التي تثيرها الأزمات الاجتماعية- الجماهير تتوجه بصورة عملية، من خلال منهج التجارب المتعاقبة.”(55)

يؤكد تروتسكي هنا على ملمحًا رئيسيًا للثورة: فبالرغم من أنها تدور حول أحداث فاصلة، تُحسم فيها السيطرة على سلطة الدولة، إلا إنها عملية تتكشف عبر فترة من الزمن. وفي الحقيقة، كانت الثورة الروسية قصيرة نسبيًا، حيث استمرت ثمانية أشهر من فبراير إلى أكتوبر عام 1917. بينما استغرقت الثورة الفرنسية الكبرى مايزيد على خمس سنوات، من اقتحام الباستيل في يوليو 1789 إلى انقلاب ثيرميدور في يوليو 1794. واستغرقت الثورة الألمانية الفترة نفسها تقريبًا، من نوفمبر 1918 إلى أكتوبر 1923.(56) إن المراحل المختلفة لتلك العمليات في تقدمها وارتدادها، وانتصارات وهزائم قوى الثورة والثورة المضادة، واليمين واليسار داخل المعسكر الثوري، تشكل عملية تتعلم منها الجماهير. يمكن أن تؤدي التجارب المتعاقبة التي يتوصل لها الناس في سعهيم لحل المشاكل التي أمامهم، إلى توجه راديكالي تقدمي للجماهير، وتحول كبير في القوى السياسية التي تقوم بالثورة الاجتماعية.

ولا يوجد ما هو حتمي بالنسبة للنتائج. وتمثل الثورة العراقية في 1958- 1963، أقرب نظير لتلك العملية في العالم العربي، التي بدأت بإطاحة ضباط الجيش الوطني بقيادة عبد الكريم قاسم بالملكية. ويختلف ذلك تمامًا عما حدث في مصر في 1952، فقد تصاعدت في العراق راديكالية شعبية هائلة، استفاد منها أساسًا الحزب الشيوعي، الذي كسب تأييدًا لا بأس به داخل الجيش نفسه. ولكنه في مايو 1959، تقاعست قيادة الحزب عن محاولة تولي السلطة، وهو ما عاد جزئيًا إلى ضغط موسكو، التي كانت تنظر إلى قاسم، مثل ناصر، كحليف في الحرب الباردة. وأتاح التحلل والتشرذم الناتج عن ذلك فرصة المبادرة أمام البعث، فقام بانقلاب بدعم من المخابرات الأمريكية في فبراير 1963، أطاح بقاسم وأخضع الشيوعيين أنفسهم إلى قمع دموي.(57)

وهناك حجة مقنعة للاعتقاد بأن الإطاحة بمبارك كانت على يد الولايات المتحدة والجيش لتلافي تعميق التوجه الراديكالي. ويتضح ذلك من المقارنة مع عملية ثورية كبيرة أخرى في الشرق الأوسط، الثورة الإيرانية في 1978-1979. لقد تشبث الشاه محمد رضا بهلوي بالسلطة في مواجهة موجة متصاعدة من الاحتجاجات والإضرابات الجماهيرية، معتمدًا على القمع الوحشي المتزايد. واعتمد ريزارد كابوشينسكي على تقليد إحياء ذكرى المتوفي بعد 40 يومًا من وفاته ـ وهو أحد التقاليد الشيعة ـ في تفسير “تطور الثورة الإيرانية بإيقاع يتشكل من انفجارات متعاقبة، يفصل بين كل واحد والأخر 40 يومًا. فيتم تفجير الإحباط والغضب والدماء كل 40 يومًا. وفي كل مرة يكون الانفجار أفظع من سابقه، وأكبر وأوسع حشدًا ومع عدد أكبر من الضحايا.”(58)

وفي 8 سبتمبر 1978، أعلن الشاه الأحكام العرفية، وذبحت قواته آلاف المتظاهرين في طهران. وامتد الإضراب الجماهيري من صناعة البترول، ذات الأهمية استراتيجية، إلى القطاعات الأخرى. وأدى الأثر المتراكم للمواجهات الجماهيرية الدموية المتعاقبة في الشوارع إلى تآكل النموذج الأخلاقي للجيش وتماسكه. وعمل هذا، عندما أطيح بالشاه أخير إلى المنفى في يناير 1979 تحت الضغط الأمريكي، إلى انتشار التمردات بالجيش، وكان الجنرالات أكثر ضعفًا من صد العصيان المسلح الناجح في فبراير، الذي نظمه اليسار الراديكالي وجماعات حرب العصابات الإسلامية.(59)

وكان الجنرالات المصريون حريصين على تجنب مثل هذا النمط من السيناريوهات . وأثناء الأسبوع الذي بدأ 6 فبراير 2011، اكتسب “الجمهور” طابعًا طبقيًا أكثر حسمًا. فالحركة العمالية المصرية التي كانت تشارك حتى تلك اللحظة كأفراد في الحركة الجماهيرية، ولم تظهر بصورة جماعية، بدأ تحركها الواضح إلى قلب المشهد، مندفعة في موجة إضرابات تتواصل حتى الآن. ووفقا لواشنطن بوست، “بحلول منتصف الأسبوع، وإزاء الحشود المتنامية في القاهرة، والإضرابات العمالية، والظروف الاقتصادية المتدهورة، توصل كبار القادة العسكريين والمدنيين إلى اتفاق واضح مع مبارك على شكل من أشكال انتقال السلطة”. ولكنه نكث بالاتفاق في خطابه التلفزيوني يوم 10 فبراير، مما أثار رد فعل شعبي صاخب. ورد أوباما على ذلك بتصريح جاء فيه أنه دعاه بالفعل إلى الرحيل. ووفقا لواشنطن بوست:

“كان تحولاً حاسمًا للبيت الأبيض الذي شهد مناقشات حامية بين مساعدي الرئيس الذين ضغطوا من أجل بعث رسالة قوية تؤيد التغير الديمقراطي في مصر، وآخرين قلقوا أن يؤدي ذلك إلى فوضى في العلاقات التقليدية بين الحكومتين.

وقال مسئول حكومي أمريكي وثيق الإطلاع على مجريات الأمور، إن تغيرًا ملحوظًا كان يحدث في القاهرة أيضًا. فخلال ساعات بعد خطاب مبارك، انهار تأييد الجيش لمبارك‘.

وقال المسئول “كان الجيش مستعدًا- في حالة لو جاء الخطاب على النغمة الصحيحة- الانتظار حتى يرى كيف ستمضي الأمور. ولم يعجبهم ما شاهدوه… وفي نهاية اليوم، أصبح واضحًا أان الوضع لم يعد مقبولاً”.

وأخبر مبارك يوم الجمعة (11 فبراير) أنه لا مفر من تنحيه، وخلال ساعات، كان في طريقه إلى منتجع شرم الشيخ على البحر الأحمر.”(60)

ولكن المشكلة التي يواجهها المجلس الأعلى للقوات المسلحة – وأيضًا الطبقة الحاكمة المصرية والبيت الأبيض – في فترة ما بعد مبارك أن الثورة في مصر، وكذلك تونس، اندلعت بسبب مظالم تجمع بين المادي والسياسي، وبالتالي لم تفلح الحكومات التالية في تهدئة المناخ بعرض تغييرات شكلية تماما. إلى جانب ذلك، ترأس الحكومة التي جاءت في أعقاب سقوط مبارك رئيس وزراء مُعين من الرئيس المخلوع.

وظهر هذا المنطق في تونس بعد سقوط بن علي مباشرة، عبر تواصل الاحتجاجات التي فجرتها الرغبة في التخلص من النظام بالكامل، وبدت أوضح ما يكون مع طلب تطهير الحكومة من كل أعضاء حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم سابقًا. ولكن ما نشهده ظاهرًا في كلا من مصر وتونس يمثل عملية أوسع بكثير مما أطلق عليه فيليب مارفليت عن حق في موقع آخر من هذا العدد، التطهير (saneamiento) ويعني النسخة التي ظهرت في البرتغال بعد حركة القوات المسلحة التي أطاحت بدكتاتورية الجناح اليميني في أبريل 1974.

ومن بين أولى الآثار الديمقراطية التي تلي الأطاحة بنظام سلطوي، تأتي حملة من أجل تطهير أجهزة الدولة. وتكون هذه العملية علنية في الوقت نفسه. وفي أغلب الأحيان، واستهدفت تلك الحملة الشرطة السرية للنظام القديم مثل (إدارة الأمن العام) DGS)) في البرتغال، أو ستاسي (وزارة أمن الدولة) في ألمانيا بعد ثورة 1989. واليوم، تظهر العملية ذاتها في الثورات العربية. وهكذا، في بداية مارس، هوجمت مقرات جهاز مباحث أمن الدولة، في مدينة نصر، بالقرب من القاهرة، إلى جانب مكاتب أخرى كثيرة تابعة له. واستهدف ذلك بشكل أساسي منع المسئولين به من إعدام الوثائق السرية. وفي تونس، أجبر المحتجون الحكومة الانتقالية على حل أمن الدولة فعليًا، في تزامن مع حظر حزب التجمع الدستوري الديمقراطي، بناء على حكم قضائي. وفي نمط من أنماط المحاكاة، كان ملمحًا مدهشا في الثورتين كما لو إحداهما تلتمس تشجيع الأخرى، أمر وزير الداخلية المصري بحل جهاز مباحث أمن الدولة في 15 مايو.

وأحرزت الحركة الجماهيرية انتصارًا آخر في البلدين بصورة متزامنة إلى حد ما، عبر إقالة رئيسي الوزراء المرتبطين بالنظام البائد في كلا البلدين. ومن الناحية النظرية، كان الدافع لتلك النضالات سياسيًا، وهو السعي إلى دفع العملية الديمقراطية قدمًا، بأسرع مما يرغب المجلس العسكري المصري أو الحكومة الإنتقالية التونسية. ولكن المشكلة هي صعوبة الفصل بين السياسة والاقتصاد، بسبب صيغة الليبرالية الجديدة المطبقة في الشرق الأوسط. إذ يعني اقتلاع جذور نظامي مبارك وبن علي ضربة عميقة داخل الاقتصاد السياسي للمجتمع المصري والتونسي. وسيعرض هذا الجيش المصري إلى تهديد مباشر. ذلك أن الجيش باعتباره استمرارًا لرأسمالية الدولة الناصرية، يسيطر على امبراطورية اقتصادية تقدر بنسبة مئوية كبيرة من الدخل القومي.(61)

ويوجد سناريوهان لما يمكن أن يحدث في البلدين، أحدهما يشبه ما حدث البرتغال في عام 1974- 1975، حيث بدأت الثورة بانقلاب عسكري تقدمي، ولكن حملة التطهير بعد 50 عامًا من الديكتاتورية أحدثت استقطابًا اجتماعيًا وسياسيًا، وجعلت العمال والصفوف الدنيا من الجنود أكثر راديكالية. وصارت البرتغال بعد 18 شهرًا من حركة القوات المسلحة أقرب إلى أن تكون دولة تتولى السلطة فيها ثورة اشتراكية، مما كانت عليه أي دولة أوروبية غربية أخرى منذ الثلاثينيات. ولم ينهزم اليسار إلا بحشد رد فعل معاد على المستوى الأوروبي، تصدرته الديمقراطية الاجتماعية، ودبرته الولايات المتحدة. وأما السيناريو الآخر فظهر في إندونسيا بعد 1998، عندما أطيح بديكتاتورية سوهارتو (حالة أخرى من رأسمالية العائلة الحاكمة القائمة على علاقات المحسوبية)، وفتح تصاعد الأزمة الاقتصادية الآسيوية، مساحة جديدة أمام التعبئة الجماهيرية من أسفل، ولكن لم تعد الأمور إلى الاستقرار في نهاية المطاف، إلا مع إدخال واجهة ديمقراطية  ليبرالية.

وسوف تفضل معظم القوى الغربية والطبقات الحاكمة في مصر وتونس السيناريو الإندونيسي عن البرتغالي. ولكن طراز السلطة الاقتصادية والسياسية في الليبرالية الجديدة المصرية والتونسية، والوضع المادي المروع لقطاعات عريضة من السكان في كلا البلدين، يجعل نجاح مثل هذا السناريو مسألة شديدة الصعوبة. فالضغوط الاقتصادية التي ينوء بها كاهل جزء كبير من الجماهير تمثل عنصرًا يؤدي إلى هز الاستقرار دائما – مثل البطالة، خاصة بين الشباب، وارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية الأخرى، وينبغي أيضا إضافة الآثار التخريبية للتمردات نفسها على قطاعات مثل السياحة.

وفوق هذا، نرى الحركة العمالية في مصر بينما تكتسب قوة وثقة بالنفس، إذ تتصاعد الإضرابات والاحتجاجات من أجل مجموعة متنوعة من المطالب الاقتصادية والسياسية. فبعد المبادرة التي ذكرها مارفليت، عُقد مؤتمر تحضيري للاتحاد المصري للنقابات المستقلة يوم 2 مارس.(62) وبالإضافة إلى الإضرابات، ظهر عدد كبير من الاحتجاجات حول قضايا اجتماعية واقتصادية بدءًا من الإيجارات إلى أسعار أنابيب الغاز. وهذه النضالات الاقتصادية، تأتي كما ينبغي أن يكون لها على خلفية ثورة 25 يناير، ولاتتعارض مع النضال السياسي، بل يعزز كل منهما الآخر:

“ولكن الحركة ككل لا تتطور من النضالات الاقتصادية إلى النضالات السياسية، ولا العكس أيضا. كل نشاط جماهيري سياسي ضخم، بعد أن يصل إلى أعلى نقطة سياسية له، يتفتت إلى كتلة من الإضرابات الاقتصادية. وهذا لاينطبق فقط على كل الإضرابات الجماهيرية الكبيرة، ولكن على الثورات ككل أيضا. فمع امتداد النضالات السياسية ووضوحها وانحناءاتها، لا تتراجع النضالات الاقتصادية، بل تتوسع وتنتظم وتصير مشاركتها على قدم المساواة. إذ يوجد بين النوعين من النضالات أكثر أشكال الفعل التبادلي اكتمالاً.

تتحول كل بداية جديدة للنضال السياسي وكل انتصار جديد يتحقق، إلى قوة دافعة كبيرة للنضال الاقتصادي، فيؤدي إلى توسيع إمكانياته المتعلقة بعوامله الخارجية، وتكثيف الحافز الداخلي للعمال من أجل تحسين أوضاعهم، ورغبتهم في النضال. وكل موجة عارمة من العمل السياسي تخلف وراءها رواسب خصبة، تشق منها براعم آلاف النضالات الاقتصادية طريقها. والعكس بالعكس. ويؤدي الظرف الحاكم لوضع العمال إلى النضال الاقتصادي المتواصل ضد الرأسمالية، وهذا يُبقى على حيوية طاقتهم القتالية طوال الفترات فاصلة بين النضالات السياسية؛ فتشكل، إذا جاز التعبير، رصيدًا طازجًا متجددًا ثابتًا لقوة الطبقة العاملة، التي تجدد من خلالها المعركة السياسية عنفوانها دائما. وفي الوقت نفسه ترشد قادة النضالات الاقتصادية الذين يعملون طوال الوقت بلا كلل، هنا وهناك، على فرز الصراعات الحادة، التي تفجر على نحو غير متوقع، الصراعات الجماهيرية واسعة النطاق.

وباختصار: يمثل النضال الاقتصادي مرسلا للإشارات من أحد المراكز السياسية إلى آخر؛ بينما يهيئ النضال السياسي بصورة دورية التربة من أجل النضال الاقتصادي. وهنا، يتبادل السبب والنتيجة مواقعهما بشكل متواصل. وهكذا فالعامل الاقتصادي والعامل السياسي في فترة الإضراب الشامل، المنفصلين تماما، أو حتى المانعين لبعضهما بالتبادل الآخر، وفقًا للرؤى النظرية، لا يشكلان سوى الجانبين المتضافرين لنضالات الطبقة العاملة في روسيا. إذ يتمثل اتحاداهما في الإضراب الشامل تحديدًا.”(63)

ونتيجة لهذا التفاعل الديناميكي بين النضالات السياسية والاقتصادية، هناك احتمال، كما قرر ذلك تروتسكي، لأن “تتصاعد الثورة الديمقراطية لتصل مباشرة إلى ثورة اشتراكية، وتصبح بالتالي ثورة دائمة”.(64) بالطبع، لا يرجح أن الطبقة الحاكمة المصرية بالخنوع الذي يجعلها تترك المجال لهذه العملية. ما هي الوسائل التي يمكنها استخدامها؟ يمكن للمجلس العسكري توظيف أشكال من الثورة المضادة المباشرة من أجل تصحيح فشل ما حاوله مبارك ضد المحتجين في ميدان التحرير في بداية فبراير. لقد اعتقل الجيش النشطاء وعذبهم بالفعل، وحكمت المحاكم العسكرية على بعضهم بعقوبة لخمس سنوات. كما حدثت أيضا اعتداءات من مجموعات البلطجية على المتظاهرات في يوم المرأة العالمي (8 مارس)، وفي الوقت نفسه على أفراد من الأقلية القبطية المسيحية في المقطم، شمال القاهرة، حيث فسر النشطاء ذلك بعودة جهاز مباحث أن الدولة للعب من جديد.(65)

ربما يسمح الجمع بين القمع ومنطق فرق تسد للقذافي بالتمسك بالسلطة في ليبيا، ولكن لا يرجح أن ينجح ذلك في مصر، في المدى القصير بالطبع، نظرا لانتشار النضالات الجماهيرية والمنظمات الشعبية في هذا البلد. لقد تأسست لجان الدفاع عن الثورة  في مختلف الأحياء وأاماكن العمل. وسيكون البديل هو محاولة تطوير هيئات الوساطة السياسية – التي أطلق عليها جرامشي “أنظمة التحصن” التي تشكل “بنية شديدة التعقيد” من الديمقراطية البرجوازية- التي هُمشت في مصر، على الأقل، منذ سحق الضباط الأحرار معارضيهم بوحشية عام 1954.(66)

الليبرالية المصرية- الممثلة في محمد البرادعي وأيمن نور وحزب الوفد التاريخي- تكاد تكون أضعف من أن يُعار لها وزن. أما الإخوان المسلمون فقصة آخرى تمامًا. تمثل جماعة الأخوان هدفا لتكهنات كثيرة في الغرب متأثرة بالإسلاموفوبيا. والجماعة في الواقع غامضة بدرجة كبيرة، وتشكيلها غير متجانس، إذ اتخذ عددًا من الأشكال المختلفة. فقد سحق ناصر الحركة الجماهيرية المناهضة للاستعمار في الأربعينيات والخمسينيات، ولكنه تم إحياء جماعة الإخوان في الثمانينيات، باعتبارها ـ وفقا لوصفه سامح نجيب ـ “قوة سياسية شعبوية”، تبني قاعدة قوية في الجامعات والنقابات المهنية والأحياء الفقيرة، مما سمح لها بالفوز بحوالي 20% من المقاعد في انتخابات البرلمان عام 2005 التي كانت مفتوحة نسبيًا.(67) وأتى إحياء جماعة الإخوان بالصدفة متزامنًا مع حملة النظام العنيفة الناجحة لسحق الجماعات الجهادية المسلحة، الذين ذهبت عناصر منهم للمعاونة في تأسيس منظمة القاعدة.

قيادة جماعة الإخوان البرجوازية تمامًا، تنقسم بين المدافعين عن إجراء تحالفات مع قوى المعارضة الأكثر علمانية ـ وهم الذين قرروا التعاون مع الناصريين والاشتراكيين الثوريين في مؤتمر القاهرة لمناهضة الاحتلال والإمبريالية، وتأييد حركة كفاية الديمقراطية في منتصف العقد الماضي ـ وبين دعاة الهدوء السياسي، الذين يفضلون اسلوب التسوية مع النظام. وكان الاتجاه الثاني في حالة صعود قبل ثورة 25 يناير، ولكن هذا لم يمنع اشتراك نشطاء الأخوان في الانتفاضة. وأدت الطبيعة الجماعة البرجوازية بالأساس، إلى اتخاذها موقفًا مترددًا تجاه موجة الإضرابات. ولكنها بلا شك اكتسبت تأييد عمال كثيرين في السنوات الأخيرة باعتبارها أكثر القوى المعارضة نفوذًا.

واتسم التطور التاريخي للحركة العمالية في مصر في النصف الأول من القرن العشرين بالجمع بين “العمالوية”- منظمة طبقية نضالية حول القضايا الاقتصادية – و”الشعبوية”- تأييد التوجه الوطني المتعدد الطبقات في النضال ضد الإمبريالية البريطانية. وأتاح هذا للوفد الليبرالي الوطني أن يصبح، وفقا لجويل بنين وزخاري لوكمان، “القوة المهيمنة إيديولوجيًا وتنظيميًا في الحركة العمالية”.(68) ورغم إنهاء الشيوعيين وجماعة الإخوان لهيمنة الوفد بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن القوة الكامنة في الوطنية المعادية للاستعمار (التي أيدها كل منهما على طريقته) اجتمعت مع خليط من القمع والإصلاحات الاقتصادية، مما سمح لناصر بتقليص موقع الطبقة العاملة المصرية إلى موقع ثانوي في نظام الدولة الرأسمالي.

إن الوضع في مصر مختلف جدًا اليوم. ومع ذلك، أدت الموارد التنظيمية لجماعة الإخوان والغموض السياسي والاجتماعي الشديد لرسالتها السياسية – “الإسلام هو الحل” – إلى قدرتها على لعب دور حاسم في منع تطور نشاط سياسي للطبقة العاملة المستقلة في مصر. وهكذا الخطر الذي تمثله جماعة الإخوان، لا يتمثل كثيرا في الهوس من “التطرف” الإسلامي لدى من هم على شاكلة توني بلير، ولكن في إمكانيتها كقوة محافظة (رغم أن قيامها بمثل هذا الدور سيسبب الانقسامات في صفوفها).  وهذا يؤكد حمق الافتتان بسمة “انعدام المركز” للثورات العربية. فإذا رفضت العناصر شديدة الراديكالية في الحركة أن تمارس التنظم السياسي، فالقوى الأخرى لا يحتمل إطلاقا أن تكون منكرة لذاتها إلى هذا الحد. وفي الواقع، نما عدد الأحزاب السياسية المصرية الجديدة كالفطر في اعقاب سقوط مبارك، من حسن الحظ أن من بينها حزب العمال الديمقراطي.(69) وسيتوقف مصير مبادرات مهمة مثل هذا الحزب على عديد من الأحداث غير المتوقعة. ولكن، رغم إن الاشتراكيين الثوريين قوة صغيرة وضعيفة، إلا أنهم لعبوا دورا مهما في ثورة 25 يناير وتطور الحركة العمالية المصرية. وإذا ما عملوا على مساعدة العمال المصريين على تطوير تعبيرهم  السياسي الحر بصورة واضحة، سوف تزدهر الإمكانات الثورية بصورة درامية هائلة في الشرق الأوسط.

ملاحظات:

1) Benjamin, 1970, pp260, 263, 266، نشكر بشكل خاص فيليب مارفليت Philip Marfleet كمصدر للتحليل والمعلومات.

2)  Benjamin, 1970, p259. لمزيد من المناقشة النقدية لهذه “الأطروحة” انظر Callinicos, 2004, chapter 5.

3) انظر على سبيل المثال، Batatu, 1978, part five, Beinin and Lockman, 1987, chapters 13 and 14, and Gordon, 1992. وقد استفدت أيضا من قراءة مسودة الفصل الذي كتته ان الكسندر حول التفاعل بين الحركات الجماهيرية والضباط الأحرار في مصر والعراق، وأدين بالشكر لتعليقاتها المفيدة جدا.

4)  El-Mahdi and Marfleet, 2009.

5) Marx, 1971, p21 .

6)  Watkins, 2010, p20.

7) Callinicos, 2010, pp6-13 .

8)  Duménil and Lévy, 2011, p2.

9) Callinicos, 2010, p6 .

10) http://bit.ly/worldbanktunisia/

11) http://bit.ly/worldbankegypt/

12) على سبيل المثال، انظر Waterbury, 1983.

13)  Bush, 2009.

14) Alexander, 2011 .

15) Al-Malky, 2011 .

16)  El-Naggar, 2009, p42.

17) http://arabworld.worldbank.org/content/awi/en/home/featured/youth_programs.html

18)  Beinin, 2009, p77.

19) Fahim, Slackman, and Rohde, 2011.

20) Lewis, 2011.

21) Kornblihtt and Magro, 2011.

22) Schwartz, 2009, p110. See also pp164-171.

23) Chossudovsky, 2011.

24( Sadiki, 2011.

25) Trudell, 2011.

26) Sargent, 2011.

27) يقول ديفيد مكنالي David McNally أن الكساد العظيم حفز “مقاومة عظيمة”، وذلك رغم أن بعض أهم الأمثلة التي ضربها بوليفيا من عام 2000 إلى 2005  وأوكاساكا عام 2006- كانت بشكل فعلي سابقة على بداية الأزمة – McNally, 2011.

28) Friedman, 2011c.

29) Friedman, 2011a.

30) Chomsky, 1999, pp194-195.

31) Soldz, 2011.

32) Beaugé, 2011.

33) والمخجل أن سيف القذافي تحدث حول “ليبيا: الماضي والحضار والمستقبل” في احداث رالف ميليباند” في مايو 2010:

“Libya: Past, Present, and Future” in a “Special Ralph Miliband Event” on 25 May 2010: www2.lse.ac.uk/publicEvents/events/2010/20100525t1830vLSE.aspx

34) Giddens, 2007.

35) Business Week, 2007.

36) Pilkington, 2011.

37) Pew Research Center, 2010.

38) Gates, 2011.

39) McGregor, 2011.

40) Gardner, 2011b.

41) Shavit, 2011.

42) Ali, 2011.

43) Trotsky, 1967, volume 1, p15.

44) Hardt and Negri, 2011.

45) Gramsci, 1971, p196.

46) Temlali, 2011.

47) Beinin, 2009, p77.

48) Gramsci, 1978, p198.

49) Trotsky, 1972, p288، لمزيد من المناقشة حول هذه الاختلافات انظر : Callinicos, 1991, pp50-66, and, of the related distinction between democratic and socialist revolutions, Rees, 1999.

50)  Friedman, 2011b.

51) : http://wikileaks.ch/cable/2008/09/08CAIRO2091.html

53) Talk at International Socialism seminar on Egypt, Tunisia, and Revolution in the Middle East, London, 22 February 2011; video at http://www.isj.org.uk/?id=716

.Gardner, 2011a.  54)

55) Allam and Khalaf, 2011.

On the latter, see Harman, 1982, and Broué, 200656) انظر حول الثاني:

57) تعد رواية حنا بطاطو الوافية حول أصول ومسار والأشياء المترتبة على الثورة العرافية بمثابة تحفة تأريخية. أنظر: Batatu, 1978, pp985-986, for King Hussain of Jordan’s account of the CIA’s role in the February 1963 coup.

58) Kapu’sci’nski, 1982, p114.

59) Marshall, 1988, chapter 2, and Poya, 1987 .

60) Warrick, 2011 .

61) Clover and Khalaf, 2011 .

62) Charbel, 2011 .

63)  Luxemburg, 1970, p185

64)  Trotsky, 1969, p278. كان نيل ديفيدسون على ذلك مسترعا قليلا عندما وصف مؤخرا “الثورة الدائمة” في هذه المجلة باعتبارها “مفهوم تاريخي”، رغم إنه ناقض بعد ذلك بصفحتين، مشيرا إلى “الافتقار الأصيل إلى الاستقرار” الناتج عن التنمية غير المتكافئة والمركبة للرأسمالية العالمية، ككابح “لإمكانيات الثورة الدائمة” Davidson, 2010, pp195, 197.

65) Ozman, 2011.

. Gramsci, 1971, p235 (66

Naguib, 2009, p11467) .

68)   Beinin and Lockman, 1987, p450; الجزء الثاني بشكل عام. ولمناقشة تفاصيل العمالوية والشعبوية على صعيد الجنوب الأفريقي انظر: Callinicos, 1988, especially pp191-194.

69) Shukrallah and El-Abbas, 2011.

References

Al-Malky, Rania, 2010, “In Egypt, A Fair Minimum Wage is Inevitable”, Daily News Egypt (17 April), http://www.thedailynewsegypt.com/editorial/in-egypt-a-fair-minimum-wage-is-inevitable-dp1.html

Ali, Tariq, 2011, “This is an Arab 1848, But US Hegemony is Only Dented”, Guardian (22 February), http://www.guardian.co.uk/commentisfree/2011/feb/22/arab-1848-us-hegemony-dented

Alexander, Anne, 2011, “The Gravedigger of Dictatorship”, Socialist Review (March),

http://www.socialistreview.org.uk/article.php?articlenumber=11580

Allam, Abdeer, and Roula Khalaf, 2011, “Gas Leak in the House”, Financial Times (10 March).

Batatu, Hanna, 1978, The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq (Princeton University Press).

Beaugé, Florence, 2011, “Leur ami Ben Ali”, Le Monde (18 February).

Beinin, Joel, 2009, “Workers’ Struggles under ‘Socialism’ and Neoliberalism”, in El-Mahdi and Marfleet, 2009.

Beinin, Joel, and Zachary Lockman, 1987, Workers on the Nile: Nationalism, Communism, Islam, and the Egyptian Working Class, 1882-1954 (Princeton University Press).

Benjamin, Walter, 1970, Illuminations (Jonathan Cape).

Broué, Pierre, 2006, The German Revolution, 1917-1923 (Brill).

Bush, Ray, 2009, “The Land and the People”, in El-Mahdi and Marfleet, 2009.

Business Week, 2007, “The Opening of Libya” (12 March), http://www.businessweek.com/magazine/content/07_11/b4025061.htm

Callinicos, Alex, 1988, South Africa Between Reform and Revolution (Bookmarks)

Callinicos, Alex, 1991, The Revenge of History (Polity)

Callinicos, Alex, 2004, Making History (Brill).

Callinicos, Alex, 2010, “Analysis: The Radical Left and the Crisis”, International Socialism 126 (spring), http://www.isj.org.uk/?id=634

Charbel, Beno, 2011, “After 50-Year Hiatus, Egypt’s First Independent Labour Union is Born”, AlMasry AlYoum (2 March), http://www.almasryalyoum.com/en/node/337515

Chomsky, Noam, 1999, Fateful Triangle: The United States, Israel and the Palestinians (Pluto(.

Chossudovsky, Michel, 2011, “Tunisia, the IMF, and Worldwide Poverty”, Pacific Free Press (23 January), http://www.pacificfreepress.com/news/1/7854-tunisia-the-imf-and-worldwide-poverty.html

Clover, Charles, and Roula Khalaf, 2011, “Egyptian Military Uneasy over Business Ties”, Financial Times (28 February).

Davidson, Neil, 2010, “From Deflected Permanent Revolution to the Law of Uneven and Combined Development”, International Socialism 128 (autumn), http://www.isj.org.uk/?id=686

Duménil, Gérard, and Dominique Lévy, 2011, The Crisis of Neoliberalism (Harvard University Press)

El-Mahdi, Rabab, and Philip Marfleet (eds), 2009, Egypt: The Moment of Change (Zed(.

El-Naggar, Ahmad El-Sayed, 2009, “Economic Policy: From State Control to Decay and Corruption”, in El-Mahdi and Marfleet, 2009.

Fahim, Kareen, Michael Slackman, and David Rohde, 2011, “Egypt’s Ire Turns to Confidant of Mubarak’s Son”, New York Times (6 February).

Friedman, George, 2011a, “The Egypt Crisis in a Global Context: A Special Report”, Stratfor Global Intelligence (30 January), http://www.stratfor.com/analysis/20110130-the-egypt-crisis-in-a-global-context-a-special-report?

Friedman, George, 2011b, “Egypt: The Distance between Enthusiasm and Reality”, Stratfor Global Intelligence (14 February), http://www.stratfor.com/weekly/20110213-egypt-distance-between-enthusiasm-and-reality

Friedman, George, 2011c, “Revolution and the Muslim World”, Stratfor Global Intelligence (22 February), http://www.stratfor.com/weekly/20110221-revolution-and-muslim-world

Gardner, David, 2011a, “Arab Rulers Confront a New World”, Financial Times (13 February).

Gardner, David, 2011b, “Chill Regional Winds Blow Across Israel”, Financial Times (14 March).

Gates, Robert M, 2011, “Speech, United States Military Academy (West Point, NY)” (25 February), http://www.defense.gov/speeches/speech.aspx?speechid=1539

Giddens, Anthony, 2007, “My Chat with the Colonel”, Guardian (9 March), http://www.guardian.co.uk/commentisfree/2007/mar/09/comment.libya

Gordon, Joel, 1992, Nasser’s Blessed Movement: Egypt’s Free Officers and the July Revolution (Oxford University Press).

Gramsci, Antonio, 1971, Selections from the Prison Notebooks (Lawrence & Wishart).

Gramsci, Antonio, 1978, Selections from the Political Writings 1921-1926 (Lawrence & Wishart).

Hardt, Michael, and Toni Negri, 2011, “Arabs are Democracy’s New Pioneers”, Guardian (24 February), http://www.guardian.co.uk/commentisfree/2011/feb/24/arabs-democracy-latin-america

Harman, Chris, 1982, The Lost Revolution (Bookmarks).

Kapu’sci’nski, Ryszard, 1982, Shah of Shahs (Picador).

Kornblihtt, Juan, and Bruno Magro, 2011, “El norte de África en el epicentro de la crisis mundial”, El Aromo, 59 (March-April), http://www.razonyrevolucion.org/ryr/index.php?option=com_content&view=article&id=1395%3Ael-norte-de-africa-en-el-epicentro-de-la-crisis-mundial; English translation by Leonardo Kosloff at http://www.facebook.com/notes/leonardo-kosloff/north-africa-at-the-epicenter-of-world-crisis/10150423086445720

Lewis, Aidan, 2011, “Tracking Down the Ben Ali and Trabelsi Fortune”, BBC News Africa (31 January), http://www.bbc.co.uk/news/world-africa-12302659

Luxemburg, Rosa, 1970, The Mass Strike, the Political Party, and the Trade Unions, in Mary-Alice Waters (ed), Rosa Luxemburg Speaks (Pathfinder); also in http://www.marxists.org/archive/luxemburg/1906/mass-strike/index.htm

McGregor, Richard, 2011, “US Loses its Appetite for Job as World’s Policeman”, Financial Times (3 March).

McNally, David, 2011, Global Slump: The Economics and Politics of Crisis and Resistance (PM Press).

Marshall, Phil, 1988, Revolution and Counter-Revolution in Iran (Bookmarks).

Marx, Karl, 1971 [1859], A Contribution to the Critique of Political Economy (Lawrence & Wishart), http://www.marxists.org/archive/marx/works/1859/critique-pol-economy/index.htm

Naguib, Sameh, 2009, “Islamism(s) Old and New”, in El-Mahdi and Marfleet, 2009.

Ozman, Ahmed Zaki, 2011, “The Rise and Fall of Egypt’s Notorious State Security”, AlMasry AlYoum (10 March), http://www.almasryalyoum.com/en/node/346917

Pew Research Center, 2010, “Obama More Popular Abroad Than At Home, Global Image of US Continues to Benefit” (17 June), http://pewglobal.org/2010/06/17/obama-more-popular-abroad-than-at-home/

Pilkington, Ed, 2011, “US Firm Monitor Group Admits Mistakes over $3m Gaddafi Deal”, Guardian (4 March), http://www.guardian.co.uk/world/2011/mar/04/monitor-group-us-libya-gaddafi

Poya, Maryam, 1987, “Iran 1979: Long Live Revolution! … Long Live Islam?”, in Colin Barker (ed) Revolutionary Rehearsals (Bookmarks).

Rees, John, 1999, “The Socialist Revolution and the Democratic Revolution”, International Socialism 83 (summer), http://pubs.socialistreviewindex.org.uk/isj83/rees.htm

Sadiki, Larbi, 2011, “The ‘Bin Laden’ of Marginalisation”, Al Jazeera (14 January), http://english.aljazeera.net/indepth/opinion/2011/01/201111413424337867.html

Sargent, Greg, 2011, “Public Employees Not Such an Easy Scapegoat After All”, Washington Post (25 February), http://voices.washingtonpost.com/plum-line/2011/02/public_employees_not_such_an_e.html

Schwartz, Herman M, 2009, Subprime Nation: American Power, Global Capital, and the Housing Bubble (Cornell University Press).

Shavit, Ari, 2011, “The Arab Revolution and Western Decline”, Haaretz (3 February), http://www.haaretz.com/print-edition/opinion/the-arab-revolution-and-western-decline-1.340967

Shukrallah, Salma, and Nourhan El-Abbas, 2011, “January Revolution Generates a New Egyptian Political Map”, Ahram Online (4 March), http://english.ahram.org.eg/NewsContentPrint/1/0/6863/Egypt/0/Januaray-Revolution-generates-a-new-Egyptian-polit.aspx

Soldz, Stephen, 2011, “The Torture Career of Egypt’s New Vice President: Omar Suleiman and the Rendition to Torture Program”, Dissident Voice (31 January), http://dissidentvoice.org/2011/01/the-torture-career-of-egypts-new-vice-president-omar-suleiman-and-the-rendition-to-torture-program/

Temlali, Yassin, 2011, “Pourquoi l’UGTT a joué un rôle aussi important dans l’intifada tunisienne”, Maghreb Emergent (25 January), http://www.maghrebemergent.com/actualite/maghrebine/1976-pourquoi-le-syndicat-a-joue-un-role-aussi-important-dans-lintifada-tunisienne.html

Trotsky, Leon, 1967, The History of the Russian Revolution, 3 volumes (Sphere), http://www.marxists.org/archive/trotsky/1930/hrr/

Trotsky, Leon, 1969, The Permanent Revolution and Results and Prospects (Merit), http://www.marxists.org/archive/trotsky/1931/tpr/index.htm

Trotsky, Leon, 1972, The Revolution Betrayed, http://www.marxists.org/archive/trotsky/1936/revbet/index.htm

Trudell, Megan, 2011, “Mad as Hatters? The Tea Party Movement in the United States”, International Socialism 129 (winter), http://www.isj.org.uk/?id=698

Warrick, Joby, 2011, “In Mubarak’s Final Hours, Defiance Surprises US and Threatens to Unleash Chaos”, Washington Post (12 February).

Waterbury, John, 1983, The Egypt of Nasser and Sadat: The Political Economy of Two Regimes (Princeton University Press).

Watkins, Susan, 2010, “Shifting Sands”, New Left Review, II/61 (January/February 2010), http://newleftreview.org/?page=article&view=2817

****

ترجمة لمقال:

Alex Callinicos, The return of the Arab revolution, International Socialism, A quarterly journal of socialist theory, Issue: 130, Posted: 1 April 11.

http://www.isj.org.uk/index.php4?id=717&issue=130

****

Advertisements

التصنيفات : تقرير

الكاتب:Al-harafeesh

A revolutionary socialist

2 تعليقان في “عودة الثورات العربية”

  1. 21/01/2012 في 2:11 م #

    بشار شرب دم سورين جميعا

Trackbacks/Pingbacks

  1. عودة الثورات العربية « اكتب كي لا تكون وحيدا - 12/07/2011

    […] نقلا عن مدونة الحرافيش […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: